بقلم : نبيل حرب
رئيس التحرير

يروى عن السلطان سليمان العظيم الذي حكم نصف الكون انه مع اقتراب أجله، لم يطلب قصراً جديداً، ولا جيشاً إضافياً، ولا مجداً يُكتب على صفحات التاريخ، بل طلب ثلاث وصايا… ثلاث إشارات صامتة، لكنها أبلغ من آلاف الخطب. أوصى اولا أن لا يحمل نعشه الا أطباؤه، وثانيا أن نثر الذهب والفضة على امتداد الطريق حتى قبر ، و الثالثة أن تخرج يداه من كفنه عاريتين… كأنّه، في لحظة الرحيل، أراد أن يختصر عمرًا كاملًا من السلطان في درسٍ واحدٍ للإنسان.
لم تكن وصاياه استعراضًا، بل اعترافًا متأخرًا بحقيقةٍ كبرى: أن الإنسان، مهما علا شأنه، يبقى ضعيفًا أمام قدره.
وبعد أن دعا له أحدهم بطول العمر، سأله بتعجب ما تعنيه الوصية الأولى بأن لا يحمل نعشه ألا أطباءه فقال لأن العمر والصحة ثروة، وأنه إذا حضر الموت لا ينفع الأطباء ولا الطب في رده، وبعد استئذانه، سئل عن معنى نثر الذهب والفضة؟ فقال أريد أن يعلم الناس أن كل ما جمعته من أموال وأحجار كريمة خلال حياتي الطويلة لا ينفع في الآخرة ولا يطيل الحياة حتى ليوم واحد وأن كل ذلك هباء منثور…
وسئل ما معنى ان نخرج يديك من الكفن حضرة السلطان. فأجاب ليعلم الجميع أن السلطان الذي حكم نصف العالم خرج من الدنيا فارغ اليدين كما جاء إليها، ولم يأخذ معه سوى عمله وسيرته
جئنا إلى الدنيا بلا شيء، ونغادرها بلا شيء… إلا ما صنعناه من خير.
وأنا أقرأ هذه الحكاية زمن الصوم والأعياد، شعرت أن الكلمات لا تُروى بقدر ما تُحاكمنا. كم من الناس يتعبون طول العمر في جمع ما لم ولن يأخذوه؟
كم من القلوب قست وهي تكدّس المال، ونسيت أن حولها جائعين ومكسورين؟
كم من البيوت ارتفعت جدرانها، بينما سقطت فيها الرحمة؟
أيُّ مفارقةٍ هذه؟ أن يملك الإنسان كل شيء… ويخسر نفسه مثله مثل الذي لا يملك شيئا؟
لقد جاءت الرسالة السماوية واضحة لا لبس فيها:
“لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض، حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون. بل اكنزوا لكم كنوزًا في السماء…”
هذه ليست دعوة للفقر، بل دعوة للمعنى. أن يكون المال وسيلة، لا غاية. أن يكون في اليد، لا في القلب.
وفي موضع آخر، حين سُئل: “من هو قريبي؟” جاءت الإجابة في قصة السامري الصالح، الذي لم يسأل عن دين الجريح ولا عن نسبه، بل انحنى عليه، ضمّد جراحه، وأعطى من ماله ليحيا. هناك، يتجلى الدين الحقيقي: في الرحمة، لا في الشعارات.
ويقول أيضًا: “كنتُ جائعًا فأطعمتموني، عطشانًا فسقيتموني، غريبًا فآويتموني…”
كأنّ كل محتاج هو فرصةٌ للإنسان أن يلتقي بإنسانيته.
في زمن الأعياد، تكثر الزينة وتلمع الواجهات، لكن العيد الحقيقي لا يُقاس بما نلبس، بل بما نعطي. ليس في امتلاء الخزائن، بل في امتلاء القلوب. ليس في عدد الهدايا، بل في عدد الدموع التي جففناها.
ما أجمل أن يتحول العيد إلى لحظة صدق مع الذات:
أن نسأل أنفسنا… ماذا تركنا في قلوب الآخرين؟
هل كنّا سبب فرحٍ لأحد؟
هل مسحنا وجعًا؟
هل أنقذنا إنسانًا من اليأس؟
العطاء ليس نقصًا… بل امتلاء.
ليس خسارة… بل خلاص.
ليس واجبًا ثقيلًا… بل نعمة أن يُتاح للإنسان أن يكون سبب حياة لغيره.
فلنُعطِ… لا لأن لدينا الكثير، بل لأن هناك من لا يملك شيئًا.
ولنُحسن… لا انتظارًا لمكافأة، بل لأن الخير هو المعنى الوحيد الذي يبقى.
وفي النهاية، حين تُطوى الصفحة الأخيرة من حياتنا، لن يسألنا أحد: كم جمعتم؟
بل: كم أحببتم؟
كم أعطيتم؟
كم ساعدتم؟
وكم إنسانًا مرّ من هنا في حياتكم… فشعر أن الدنيا ما زالت بخير.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3554387
Total views : 7243311