بقلم: نبيل حرب _ رئيس التحرير
في زحمة الحياة، حيث تتسارع الأيام وتضيع التفاصيل، تأتي بعض اللحظات لتعيد الإنسان إلى جوهره… إلى ذاته… إلى إيمانه. ومن بين هذه اللحظات، تبرز زيارة الكنائس السبع في خميس الأسرار، كتقليد لا يشبه سواه، لأنه ليس مجرد عبور بين أماكن، بل رحلة عبور في عمق الروح.
سبع كنائس… سبع محطات… لكنها في الحقيقة، مسار واحد عنوانه الوفاء.
وفاء للمسيح في ساعة آلامه، حين تُرك وحده، وحين خذله البعض، فاختار المؤمن أن يسير معه، لا كمتفرّج، بل كشريك في الألم، وكصديق لا يغيب.
ليست الكنائس السبع حجارةً ننتقل بينها، بل محطات تأمل في قصة إنسانية إلهية عظيمة. في كل كنيسة، صلاة. في كل خطوة، رجاء. وفي كل لحظة صمت، حوار داخلي بين الإنسان ونفسه… بين ضعفه وإيمانه.
هي أيضًا رسالة غير معلنة:
أن الإيمان ليس كلمة تُقال، بل موقف يُعاش.
وأن المحبة لا تُقاس بالراحة، بل بالقدرة على البقاء… حتى في اللحظات الصعبة.
قد يسأل البعض: لماذا سبع كنائس؟
والجواب يتجاوز الرقم… إلى رمزيته. فالسبعة في البعد الروحي تعني الكمال، وكأن المؤمن، في هذه الجولة، يبحث عن اكتماله الداخلي، عن سلامه الضائع، وعن لحظة صفاء نادرة في عالم مليء بالضجيج.
في زمن تكثر فيه الانقسامات والحروب، وتضيع فيه القيم، تبقى هذه الزيارة دعوة صامتة إلى العودة… إلى البساطة، إلى الصلاة، إلى إنسانيتنا الأولى.
زيارة الكنائس السبع ليست فرضًا… بل فرصة.
فرصة لنقف قليلًا، لنفكّر، لنصلّي، ولنستعيد شيئًا من النور الذي نحتاجه جميعًا.
لأن القيامة لا تُفهم إلا بعد الألم…
والنور لا يُدرك إلا بعد العتمة.
غير أن هذا التقليد، على جماله، لا يمكن فصله عن المشهد الأكبر الذي يعيشه المؤمن في هذا اليوم المقدّس. فزيارة الكنائس السبع ليست مجرد تنقّل تعبّدي، بل هي استعادة حيّة لمسيرة المسيح بعد العشاء الأخير، حين انتقل بين أكثر من موقع، من بستان الزيتون إلى ساحات المحاكمة، في رحلة ألم وصمت وخذلان.
ومن هنا، فإن الرقم سبعة لا يُقرأ فقط كرمز للكمال، بل كدعوة للمؤمن كي يرافق المسيح في كل مراحل تلك الليلة الثقيلة، وكأن كل كنيسة تمثّل محطة من محطات الألم، أو لحظة من لحظات الوحدة التي عاشها. إنها محاولة إنسانية صادقة لعدم تركه وحيدًا… هذه المرّة.
أما المشهد الآخر الذي يختصر روح هذا اليوم، فهو غسل أرجل التلاميذ في خميس الغسل، ذلك الحدث الذي كسر كل المفاهيم السائدة عن السلطة والعظمة. فالمسيح في لحظة كان فيها يُدرك اقتراب آلامه، لم يختر أن يُظهر قوته، بل تواضعه. انحنى وغسل أرجل تلاميذه لمغفرة الخطايا، في فعل رمزي عميق، أعلن فيه أن العظمة الحقيقية تكمن في الخدمة، لا في السيطرة ولو كان يعلم من سيسلمه تلك الليلة…
هذا المشهد لا يزال حتى اليوم يهزّ ضمير العالم.
كيف يمكن لمعلّم أن ينحني أمام تلاميذه؟
وكيف يمكن للقوة أن تتجلّى في التواضع؟
إنها الرسالة التي أراد أن يتركها:
أن من يريد أن يكون أولًا، فليكن خادمًا للجميع.
وأن الإيمان لا يُقاس بالكلمات، بل بالأفعال… بأبسطها وأكثرها إنسانية.
بين زيارة الكنائس وغسل الأرجل، يلتقي المعنى في نقطة واحدة:
المحبة التي تُترجم حضورًا… وخدمة… وتضحية ومغفرة الخطايا.
ففي الأولى، يرافق المؤمن المسيح في ألمه،
وفي الثانية، يتعلّم كيف يرافق الآخر في حياته.
هكذا يصبح خميس الأسرار أكثر من مناسبة دينية…
إنه مدرسة في الإنسانية،
ودعوة مفتوحة لكل إنسان أن يعيد النظر في علاقته بالآخر،
وفي معنى أن يحب… بصدق.







Total views : 7243311