بقلم نبيل حرب _ رئيس التحرير
في خطوة لافتة تحمل كثيرًا من المعاني الإنسانية، أعلنت فرنسا أن الرئيس الفرنسي أيمانويل ماكرون قرر إعفاء الطلاب اللبنانيين في الجامعات الحكومية الفرنسية من رسوم التسجيل للعام المقبل، مراعاةً للظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يرزح تحتها اللبنانيون.
إنها ليست مجرد مبادرة تعليمية، بل رسالة تضامن واضحة تقول إن هناك من يشعر بوجع اللبنانيين، ويدرك أن العلم يجب أن يبقى بابًا مفتوحًا لا يُغلق في وجه الشباب بسبب الفقر والانهيار والأزمات والحروب.
لكن، ويا للمفارقة المؤلمة، فيما تمتد يد الرحمة من الخارج، يجد كثير من الأهالي في الداخل أنفسهم تحت رحمة بعض الجامعات الخاصة التي لا تزال تتعامل مع الطالب وكأنه رقم في صندوق الجباية، لا إنسانًا له حق في التعلم، ولا عائلة تنوء تحت أثقال المعيشة.
فهناك جامعات تُرسل الإنذارات، وتُهدد بوقف المعاملات، وتحجب أوراقًا رسمية يحتاجها الطالب، أو تمنعه من تقديم الامتحانات إذا تأخر في دفع القسط. بل إن بعضها يفرض غرامات بالدولار على كل تأخير، وكأن الناس يعيشون في بحبوحة، لا في وطن يختنق اقتصاديًا واجتماعيًا وتحت القصف والخراب والدمار والتهجير…
أين الرسالة التربوية؟ أين الضمير؟ أين الإحساس بأن هذا الشعب قد أنهكته الأزمات؟
والأشد إيلامًا أن بعض هذه المؤسسات قامت أصلًا على أوقاف وتبرعات وأراضٍ وُهبت لغايات نبيلة، في مقدمتها تعليم أبناء الفقراء ومساعدة المحتاجين. كان المقصود أن تكون منارات للعلم والرحمة، فإذا بها تتحول في نظر كثيرين إلى قلاع مغلقة لا يدخلها إلا القادرون.
اليوم، كم من أب باع أرضًا ورثها عن أجداده؟
كم من أم باعت حليّها؟
كم من عائلة رهنت بيتها أو سيارتها كي لا ينكسر حلم ابنها الجامعي؟
أهذا هو التعليم الذي نريده؟
أهذه هي الجامعات التي يُفترض أن تصنع مستقبل الوطن؟
كيف يُعقل أن تصبح الأقساط الجامعية في لبنان أحيانًا أعلى من جامعات مماثلة في فرنسا أو اميركا؟ بأي منطق؟ وبأي رقابة؟ ومن يحاسب؟واين الدولة والرقابة وهل هي فعلا مؤسسات لا تبغي الربح؟
إن الجامعة ليست متجرًا، والطالب ليس زبونًا، والعلم ليس سلعة تُباع لمن يملك المال فقط.
نعم، للمؤسسات حقوقها وكلفتها، لكن للمجتمع أيضًا حقٌ عليها، وللوطن حق، وللأهالي الذين يختنقون من أجل تعليم أولادهم حق أكبر.
تحية للرئيس الفرنسي على مبادرته الإنسانية، لأنها ذكّرتنا بما يجب أن يكون عليه دور المؤسسات والدول تجاه الإنسان وتجاه الشباب امل المستقبل.
أما في لبنان، فقد حان الوقت ليسأل الناس بصوت واحد:
هل الجامعات وُجدت لتعليم الشباب… أم لسلخهم؟
وهل يبقى العلم رسالة… إذا تحوّل إلى مقصلة؟
عدد الزوار الاجمالي







Total views : 7243311
