بقلم نبيل حرب _ رئيس التحرير
ليست بيروت مدينةً عادية تُقاس بالخرائط، ولا مجرد شوارعٍ وأبنيةٍ ومرافئ وأسواق. بيروت حالةٌ من الحياة، قلب لا يهدأ، وقصة شعبٍ يعرف كيف ينهض كلما ظنّ العالم أنه انتهى…
تتعب بيروت… نعم.
تتعب من الحروب التي مرّت وتمر فوق حجارتها، ومن الدمار الذي حاول ويحاول أن يطفئ نورها، ومن الأزمات التي أثقلت كاهل أهلها، ومن الفقر الذي طرق أبواب ناسها، ومن النزوح الذي غيّر ملامح أيامها، ومن القلق الذي يسكن تفاصيل ليلها الطويل.
لكنها لا تسقط…
هذه المدينة التي واجهت الغزوات، ومرّت عليها إمبراطوريات، وعرفت الزلازل والهزّات والعواصف، وذاقت مرارة الانقسامات والانفجارات، كانت في كل مرة تُصاب… ثم تقوم. تنحني قليلًا، لكنها لا تنكسر. تتألم، لكنها لا تموت.
بيروت تشبه أهلها.
في عيونهم تعب السنين، لكن في قلوبهم عناد البحر… قد يضيق بهم الحال، وقد تتراكم عليهم الهموم، لكنهم يعرفون أن اليأس ليس قدرًا، وأن الوطن لا يُترك حين يمرض، بل يُعالج لأنه يستحق الحياة.
كم مرة قيل إن بيروت انتهت؟
وكم مرة كتبوا نعيها قبل الأوان؟
وفي كل مرة، كانت تفاجئ الجميع: تفتح مقاهيها من جديد، يضحك أطفالها في الأزقة، تمتلئ جامعاتها بالشباب، وتعود الحركة إلى شوارعها، كأنها تقول للعالم: أنا أكبر من أزماتي واعظم من الزوال…
بيروت لا تعيش على الحجر فقط، بل على الإنسان.
على الأم التي تصنع الأمل من القليل، على الأب الذي يعمل بصمت ليحفظ كرامة بيته، على الشاب الذي يحلم رغم البطالة، على الفتاة التي تتمسك بمستقبلها رغم القلق، على المغترب الذي يحملها في قلبه أينما ذهب، ويرسل إليها الحب قبل المال.
قد تتعب بيروت اليوم من الحرب والدمار والفقر وانعدام الأمان، لكنها تعرف أن الليل مهما طال، لا بد أن يعقبه فجر. وأن المدن العظيمة لا تُقاس بما مرّ عليها من محن، بل بما تملكه من قدرة وعزم على النهوض بعدها…
إنها مدينةٌ علّمت العالم أن الجمال يمكن أن يخرج من تحت الركام، وأن الموسيقى قد تُسمع رغم صوت الانفجارات، وأن الحياة تستطيع أن تنتصر ولو حاصرها الموت.
لهذا نقول اليوم، بثقة المؤمنين بوطنهم:
بيروت تتعب… لكنها لا تسقط.
تتأخر… لكنها تصل.
تحزن… لكنها تبتسم.
تنزف… لكنها تشفى.
وسيبقى فيها ما يكفي من الضوء ليبدّد هذا الظلام، وما يكفي من الناس الشرفاء ليصنعوا الغد، وما يكفي من المحبة لتعود كما كانت وأجمل.
بيروت ليست مدينة تنتظر من ينقذها…
بيروت مدينة تعرف كيف تنقذ نفسها، كلما ظنّ الآخرون أنها انتهت…
عدد الزوار الاجمالي







Total views : 7243311
