بقلم : نبيل حرب
في كل مرة أقرأ فيها ورقة نَعْوة لشابٍ لبناني رحل باكرًا، لا يوجعني الموت وحده… بل يوجعني ذلك السطر الطويل الذي يشبه خريطة اغتراب كاملة:
والده في أستراليا، والدته في كندا، شقيقه في ألمانيا، خاله في أميركا، عمّه في الخليج، وجدّه في أفريقيا…
أقف مذهولًا أمام الأسماء الموزعة على قارات الأرض، وأسأل نفسي:
لمن بقيت هذه البلاد؟
من سيبقى ليزرع الأرض إذا صار أبناؤها حقائب سفر؟
من سيشعل الضوء في القرى إذا أطفأ الجميع نوافذ بيوتهم ورحلوا؟
لبنان لم يعد يصدّر أبناءه فقط… بل صار يصدّر وحدته أيضًا بسبب الحروب والفقر والازمات…
صرنا بلدًا يعيش أهله على تطبيقات الاتصال، وعلى صور المناسبات الحزينة، وعلى تسجيلات الصوت التي تصل متأخرة بسبب فرق التوقيت.
في السابق، كان الناس يهاجرون بحثًا عن فرصة أفضل، أما اليوم فالكثيرون يهاجرون هربًا من وطن يأكل أبناءه ببطء.
يهربون من بلاد جعلت المواطن يشعر كأنه غريب داخل أرضه، وكأن الحياة الكريمة امتيازٌ لا حق.
أي وطن هذا الذي يُجبر أمًّا على وداع ابنها في المطار أكثر مما تحتضنه في البيت؟
أي وطن هذا الذي يدفع شبابه إلى الوقوف أمام السفارات أكثر مما يقفون أمام جامعاتهم وأحلامهم؟
أي وطن هذا الذي صار فيه النجاح مشروع هجرة، لا مشروع بقاء؟
تعب اللبناني من الحروب التي لا تنتهي.
من الفتن التي يختلقها السياسيون ويُدفن تحت أنقاضها الفقراء.
تعب من الزعماء الذين يتقاتلون على الوطن… فيما الوطن نفسه يحتضر.
تعب من الفساد الذي صار أقوى من الدولة، ومن المحسوبيات التي قتلت الكفاءة، ومن السمسرة التي نهبت تعب الناس وأعمارهم.
في هذا البلد، قد ينام الإنسان شريفًا ويستيقظ مكسورًا لأنه لا يملك “واسطة”.
وقد يموت مريض على باب مستشفى لأن جيبه فارغ.
وقد يهاجر شاب متفوق فقط لأنه أدرك أن شهادته هنا أقل قيمة من بطاقة توصية.
ثم نسأل لماذا يهاجر الناس؟
يهاجرون لأنهم يريدون أن يعيشوا كبشر.
فقط كبشر.
يريدون كهرباء لا تُذلّهم، وماء لا يشترونه مرتين، ووظيفة لا تمرّ عبر مكاتب السياسيين، وضمائر لا تباع، ومستقبلًا لا يحتاج إلى معجزة.
الموجع أن لبنان ليس بلدًا عاديًا.
هذا وطن الأنبياء والقديسين والأجراس والمآذن.
وطن الأديرة التي تعانق الجبال، والكنائس التي تشهد على آلاف الصلوات، والمساجد التي رفعت الدعاء في أصعب الحروب.
هذا بلد لوّنه الله بالجمال: بحرٌ يشبه الحلم، وجبالٌ كأنها خارجة من صلاة، وناسٌ طيبون يحملون قلوبًا أكبر من أوطان كاملة.
لكن ما نفع الجمال إذا كان الإنسان مكسورًا؟
ما نفع أن يكون لبنان أجمل بلد في العالم، إذا كان أبناؤه يبحثون عن الحياة خارجه؟
صرنا بلدًا يشيّع أبناءه إلى المطارات أكثر مما يزفّهم إلى المستقبل.
بلدًا تُقفل فيه البيوت واحدة تلو الأخرى، وتبقى صور الأهل معلّقة على الجدران تنتظر عودة قد لا تأتي.
والمأساة ليست في السفر وحده… بل في التفكك البطيء للعائلة اللبنانية.
أب في قارة، وأم في قارة، وأولاد يكبرون عبر الشاشات.
أعياد بلا دفء، وجنازات يحضرها الأقارب عبر البث المباشر، وقرى تحوّلت إلى أمكنة موسمية لا يسكنها إلا الصمت.
إلى متى؟
إلى متى يبقى اللبناني مشروع مهاجر؟
إلى متى يبقى الوطن طاردًا لأبنائه بدل أن يكون حضنًا لهم؟
إلى متى يبقى الفقير يدفع ثمن دولة سرقها الفاسدون؟
وإلى متى نبقى نعيش على الذكريات، وكأن الوطن صار قصة قديمة لا واقعًا حيًا؟
لبنان لا يحتاج إلى خطابات جديدة… بل إلى ضمير.
إلى مسؤول يخجل من دموع أم ودّعت أبناءها إلى الغربة.
إلى دولة تفهم أن أخطر أنواع الموت ليس موت الجسد، بل موت الانتماء.
لأن الوطن الذي يخسر أبناءه واحدًا واحدًا، لا يموت دفعة واحدة…
بل يموت بالتقسيط.
وهذا نموذج لما كتبناه…






Total views : 7243274