بقلم : نبيل حرب
في حياة الأمم، لا تُقاس قوة الدول بعدد جيوشها فقط، ولا بحجم اقتصادها فحسب، بل بمدى احترامها لدستورها، لأن الدستور هو الضمانة الأولى لبقاء الأوطان واستمرارها. هو العقد الوطني الذي يجمع أبناء الوطن الواحد مهما اختلفت طوائفهم، وتنوعت آراؤهم، وتباينت انتماءاتهم السياسية والفكرية. ومن دونه، تتحول الدول إلى ساحات فوضى، وتصبح الحقوق عرضة للاستباحة، وتضيع الحدود بين الواجبات والمصالح والأهواء.
من هنا، تكتسب المبادرة المباركة التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بمناسبة مرور مئة عام على إعلان الدستور اللبناني أهمية وطنية كبيرة، لأنها ليست مجرد احتفال رمزي بذكرى تاريخية، بل دعوة صريحة إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة، وإحياء روح الدستور في النفوس والمؤسسات والحياة العامة…من قبل الحامي والمؤتمن على الدستور.
فالدستور ليس كتاباً يوضع على الرفوف، ولا نصوصاً تُقرأ في المناسبات الرسمية فقط، بل هو روح الوطن، والمرجع الذي ينظم حياة الناس، ويحفظ حقوقهم، ويحدد مسؤولياتهم، ويرعى عمل السلطات، ويمنع سيطرة طرف على آخر. إنه المظلة التي تحمي الجميع، والميزان الذي يحقق العدالة بين المواطنين، مهما اختلفت مواقعهم وانتماءاتهم.
وعندما يضعف احترام الدستور، تبدأ الدول بالتفكك تدريجياً، لأن غياب القانون يفتح الباب أمام شريعة الغاب، حيث يصبح القوي أقوى، والضعيف بلا حماية، وتضيع هيبة المؤسسات، وتتحول الدولة إلى مجموعة نزاعات ومصالح متضاربة. لذلك فإن حماية الدستور ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية ووجودية لبقاء أي وطن… وهذا ما أكد عليه في أكثر من مناسبة، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون القانونية المحامي الدكتور انطون صفير.
لبنان هذا البلد الذي قام على التنوع والتعددية والحرية، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التمسك بدستوره، لأنه الإطار الوحيد القادر على جمع اللبنانيين تحت سقف واحد. قد نختلف في السياسة، وفي الخيارات، وفي النظرة إلى كثير من القضايا، لكن يبقى الدستور القاسم المشترك الذي نلتف حوله جميعاً من أجل لبنان أقوى، لبنان السيد الحر المستقل، لبنان الدولة لا الفوضى والحروب، والمؤسسات لا المزاجية، والقانون لا الاستنساب.
إن الأمم التي احترمت دساتيرها استطاعت أن تبني دولاً مستقرة ومتقدمة، فيما سقطت دول أخرى عندما تحولت القوانين فيها إلى وجهات نظر، وأصبحت النصوص خاضعة للمصالح والظروف. فالدستور هو الحارس الحقيقي لحقوق الشعوب، وهو الذي ينظم العلاقة بين المواطن والدولة، وبين السلطات نفسها، لكي لا تتحول السلطة إلى استبداد، ولا الحرية إلى فوضى.
وفي الذكرى المئوية الأولى للدستور اللبناني، نحن أمام فرصة وطنية لإعادة ترسيخ ثقافة احترام القانون، وتعزيز مفهوم المواطنة الحقيقية، والتأكيد أن الوطن لا يُبنى بالشعارات وحدها، بل بالالتزام بالقواعد التي تحميه وتصون وحدته.
لبنان لا يحتاج فقط إلى محبة أبنائه، بل إلى احترامهم لدولتهم ودستورهم ومؤسساتهم، لأن الأوطان لا تعيش بالعواطف وحدها، بل بقيام دولة عادلة تحكمها القوانين. وعندما نحمي الدستور، فإننا نحمي الوطن، ونحمي الحرية، ونحمي مستقبل الأجيال القادمة.
فليكن الاحتفال بمئوية الدستور مناسبة وطنية جامعة، نعود فيها جميعاً إلى معنى الدولة الحقيقي، ونؤكد أن لا خلاص للبنان إلا تحت سقف الدستور، لأنه وحده القادر على أن يجمعنا مهما اشتدت الخلافات، ومهما عصفت الأزمات واستفحلت الحروب.
عدد الزوار الاجمالي







Total views : 7243272
