بقلم : نبيل حرب
الوطن ليس شعاراً نرفعه عندما ننتصر، ولا أغنية نرددها في المناسبات، ولا علماً نلوّح به حين تتوافق السياسة مع قناعاتنا. الوطن امتحان حقيقي، وغالباً ما يأتي هذا الامتحان في أصعب اللحظات، حين يتألّم جزء منه، فنسأل أنفسنا: هل نشعر بألمه أم نكتفي بالمشاهدة؟
لبنان، هذا البلد الصغير المتعب، لم يعد يحتمل المزيد من الانقسامات. تعب من الحروب، ومن لغة التخوين، ومن ثقافة الشماتة، ومن مشهد اللبناني الذي يفرح لوجع لبناني آخر لأنه يختلف معه سياسياً أو مذهبياً أو فكرياً…
الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها، أن هذا الوطن يشبه الجسد الواحد. وما يصيب أي عضو فيه، لا بد أن يترك وجعه في كامل الجسد. عندما تُدمّر قرية في الجنوب، أو تُهجّر عائلة، أو تُمحى ذكريات عمرٍ كامل تحت الركام، لا ينبغي أن نسأل أولاً: مع من كانوا؟ بل يجب أن نسأل: كيف نخفف هذا الألم؟ وكيف نمنع تكراره؟
كلفة إعادة الإعمار وحدها، كما يُقال، تجاوزت اليوم خمسةً وعشرين مليار دولار. لكن الأرقام، على قسوتها، ليست كل القصة. فمن يعيد الطرقات والجسور؟ من يعيد الكهرباء والمياه والبنى التحتية؟ من يعيد المدارس التي أقفلت؟ ومن يعيد للناس شعورهم بالأمان؟
والأصعب من ذلك كله: من يعيد الذكريات؟
من يعيد صوت الأطفال إلى الأزقة التي صمتت؟ ومن يعيد رائحة القهوة إلى البيوت التي صارت حجارة؟ ومن يعيد شعور الإنسان بأن له مكاناً يعود إليه؟
قد نختلف سياسياً، وقد نختلف في قراءة الأحداث، وقد نختلف في تحميل المسؤوليات، وهذا حق طبيعي في أي مجتمع. لكن ما لا يجب أن نختلف عليه أبداً، هو أن الإنسان الذي خسر بيته يحتاج تضامناً لا شماتة، وأن العائلة التي تهجّرت تحتاج مواساة لا أحكاماً مسبقة، وأن الوطن لا يُبنى عندما يفرح فريق بخسارة فريق آخر.
حب الوطن لا يعني أن نكون نسخة واحدة عن بعضنا البعض. بل يعني أن نبقى، رغم اختلافاتنا، قادرين على رؤية الإنسان في الطرف الآخر.
لبنان لن ينجو إذا بقي كل طرف يشعر أن خسارة الآخر انتصار له. ولن ينهض إذا بقينا نحصي الطوائف قبل أن نحصي البشر. ولن تُشفى جراحه إذا استمرينا في تحويل الألم إلى مادة للانقسام.
ما يحتاجه هذا البلد اليوم ليس المزيد من الصراخ، بل المزيد من العقل. ليس المزيد من الكراهية، بل المزيد من الرحمة. وليس المزيد من الحروب، بل شجاعة حقيقية في حماية ما تبقى.
فالأوطان لا تموت عندما تُدمّر الحجارة فقط… بل عندما يتوقف أهلها عن الشعور ببعضهم البعض.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3554366
Total views : 7243275