بقلم : نبيل حرب
كان اللبناني قديماً يحلم ببيت على البحر، أما اليوم فأصبح يحلم فقط بأن يصل إلى البحر…
في بلد يبلغ طول شاطئه نحو 220 كيلومتراً، كما تقول كتب الجغرافيا، يبدو أن الجغرافيا شيء والواقع شيء آخر. فالواقع يقول إن البحر لم يعد ملك الناس، بل تحوّل في أجزاء واسعة منه إلى “ممتلكات خاصة” محصنة خلف الأسوار والبوابات والحراس، وكأن الأمواج نفسها أصبحت بحاجة إلى إذن للدخول…
لعلّ السباحة هي المتعة الوحيدة التي بقيت للبناني في صيفٍ أكلته الحروب والأزمات والضرائب والهموم… لكن ما إن يقرر المواطن الذهاب إلى البحر حتى يكتشف أن هذا القرار يحتاج إلى ميزانية تفوق أحياناً قدرته على الاحتمال.
ثلاثون دولاراً للفرد الواحد كحدّ أدنى في كثير من المنتجعات… عائلة مؤلفة من أربعة أشخاص عليها أن تدفع أكثر من 120 دولاراً فقط للدخول، وإذا أرادت تناول الغداء أو شرب المياه، فالأمر يكلّف عشرات الدولارات الإضافية، لأن إدخال الطعام والشراب ممنوع. وهكذا قد تتجاوز كلفة يومٍ واحد على الشاطئ مئتي دولار، أي ما يوازي تقريباً راتب شهر كامل لكثير من اللبنانيين!
أي بحر هذا الذي أصبح حكراً على المقتدرين؟
وأي عدالة تجعل الفقير ينظر إلى البحر من خلف الأسوار، بينما يُسمح له فقط بالسباحة قرب مصبات المجارير وبين النفايات والأوساخ؟
المشكلة ليست في إقامة المشاريع السياحية بحد ذاتها، بل في التعدّي على الأملاك العامة البحرية وتحويلها تدريجياً إلى ما يشبه الإقطاعيات الخاصة. فالشاطئ الذي يفترض أن يكون ملكاً لكل اللبنانيين، أصبح في كثير من الأماكن ملكاً فعلياً لمستثمرين يقررون من يدخل ومن يُمنع، ومن يستمتع بالبحر ومن يكتفي بمشاهدته من بعيد،حتى انهم في كثير من المناطق قطعوا الواجهة البحرية الجميلة وسدوا مداخلها امام الناس وشوهوا منظرها وسنعود الى ذلك بالتفصيل في اكثر من مكان…
الأغرب أن الدولة تتعامل مع هذه المخالفات وكأنها أمر طبيعي. فبدلاً من استرداد الأملاك العامة أو فرض رسوم عادلة تتناسب مع الأرباح الهائلة التي تحققها هذه المشاريع، تكتفي في كثير من الأحيان بتسويات لا تساوي شيئاً مقارنة بالمداخيل الحقيقية.
يكفي أن نعلم أن شاليهات لا تتجاوز مساحتها ثلاثين أو أربعين متراً مربعاً تُباع بمئات آلاف الدولارات. بعض هذه الشاليهات يصل سعره إلى مئتي ألف دولار وأكثر. فهل كانت لتباع بهذه الأسعار الخيالية لو لم يكن البحر أمامها ولو لم تستولي على قسم من الاملاك العامة وتبني عليها احواض السباحة؟ وهل كانت لتكتسب هذه القيمة لو لم يكن المستثمر قد استولى عملياً على جزء من الملك العام البحري؟
في معظم دول العالم المتحضرة، الشواطئ العامة هي حق مقدس للمواطن. يستطيع الناس الوصول إليها مجاناً، والاستمتاع بها دون أن يمروا عبر حواجز وأسوار وبوابات إلكترونية. بل إن بعض الدول تؤمن الخدمات الأساسية بأسعار رمزية تشجيعاً للسياحة الداخلية والخارجية.
أما عندنا، فقد أصبح الوصول إلى البحر يشبه محاولة دخول نادٍ خاص للأثرياء…فهل يحق لهذه المشاريع سد المنافذ امام الناس وعرقلة وصولهم الى الاملاك العامة،بل هل يحق للوزارات المعنية وضع تسويات معينة بأملاك عامة هي بالاساس لنا؟
لقد نجحت بعض المشاريع في تحقيق إنجاز تاريخي لم تستطع تحقيقه حتى الحروب ولا الأزمات: خصخصة الأفق نفسه… فالبحر الذي خلقه الله للجميع، أصبح في لبنان مقسماً إلى حصص وأسهم وأسوار، فيما يُترك أصحاب الدخل المحدود للبحث عن بقعة ضيقة بين مجرور وآخر.
السؤال ليس قانونياً فقط، بل أخلاقي أيضاً: هل يجوز أن يُمنع المواطن من الوصول إلى ملكه العام؟ وهل يجوز أن تتحول الأملاك العامة البحرية إلى مصدر إثراء لفئة قليلة، فيما يُحرم منها ملايين اللبنانيين؟
البحر ليس سلعة، وليس امتيازاً للأغنياء، وليس جائزة لمن يملك المال. البحر حق للناس جميعاً…انظروا الى الشواطئ في قبرص التي تستقطب ملايين السياح كلها مفتوحة مجانا امام الناس ولا تسمح لأحد بالاعتداء عليها ونحن من حقنا استرداد ما هو لنا.
وعندما يصبح الوصول إلى البحر حلماً، فالمشكلة ليست في الأمواج ولا في القوانين… بل في الذين باعوا الشاطئ، وفي الذين سمحوا لهم بذلك وغضوا الطرف متذرعين بالحرب وبسلطة الامر الواقع…
فعندما يُحاصر الفقير بالأسوار، يصبح البحر نفسه نوعاً من الرفاهية عبر منتجعاته للاثرياء وللفقراء شواطئ السان بلاش وهي قليلة حيث المجارير والنفايات…
عدد الزوار الاجمالي







Total views : 7253432
