بقلم نبيل حرب
مرة جديدة يجد المواطن اللبناني نفسه الحلقة الأضعف في معادلة لا يبدو أنها تنصفه. فبينما يعيش أصعب ظروفه الاقتصادية والمعيشية منذ عقود، وتنهشه البطالة وغلاء الأسعار وانهيار القدرة الشرائية، تأتي الحكومة لتضيف إلى أوجاعه أعباءً ضريبية جديدة، تتراوح بين 1 و3 في المئة، ويتوقع أن تدر على الخزينة نحو 400 مليون دولار سنوياً، تُستوفى من جيوب المواطنين لا من مكامن الهدر والفساد.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الآن؟
أليس الأجدر بأي حكومة تدّعي أنها تسعى إلى إنعاش الاقتصاد أن تخفف الضرائب عن الناس، وأن تقدم الحوافز للإنتاج والاستثمار، بدلاً من زيادة الأعباء على من لم يعد يحتمل المزيد؟
المؤسف أن السياسة الضريبية أصبحت الطريق الأسهل لزيادة الإيرادات، فيما تغيب الخطط الجدية لمكافحة التهرب الضريبي، واسترداد الأموال العامة، وإقفال مزاريب الهدر، ومحاسبة الفاسدين. فاللجوء إلى جيب المواطن أسهل بكثير من مواجهة أصحاب النفوذ والمصالح.
أما البنزين فله قصة لا تنتهي. فما إن ترتفع الأسعار العالمية حتى ترتفع أسعاره في لبنان بسرعة الصاروخ، وما إن تنخفض عالمياً حتى يتراجع ببطء السلحفاة، وكأن هناك من يستفيد دائماً من هذه المعادلة المختلة. فمن المسؤول؟ ومن يحاسب؟ ومن يحمي المستهلك؟
هل أصبحت الحكومة أقرب إلى مصالح كبار التجار والمستوردين من معاناة المواطنين؟ وهل يعقل أن يبقى العامل والموظف ورب الأسرة هو من يتحمل وحده كلفة كل أزمة وكل عجز وكل قرار؟
إن آلاف اللبنانيين يخرجون قبل طلوع الفجر بحثاً عن لقمة عيش كريمة، ويعودون مساءً مثقلين بالتعب والهموم، ثم يفاجأون بأن الدولة تمد يدها إلى ما تبقى في جيوبهم، بدل أن تمد لهم يد العون.
واليوم، يتحرك الاتحاد العمالي العام، وترتفع أصوات الناس بالاعتراض، لكن يبقى السؤال الأكبر: هل من يسمع؟ وهل يكفي أن يشكو المواطن حتى تتغير السياسات، أم أن الشكوى أصبحت مجرد صدى يتردد في فراغ لا يسمعه أحد؟
إن بناء الدولة لا يكون بإثقال كاهل المواطن، بل بإرساء العدالة الضريبية، وترشيد الإنفاق، ومحاربة الفساد، وتحفيز الاقتصاد، لأن المواطن ليس خزينة مفتوحة تُسد منها عيوب الإدارة، بل هو شريك في الوطن، ومن حقه أن يشعر بأن الدولة تقف إلى جانبه لا في مواجهته.
وقبل أن تفرض أي ضريبة جديدة، على الحكومة أن تسأل نفسها سؤالاً واحداً: كم بقي في جيب المواطن؟ فإذا كان الجواب: القليل… فلتدرك أن الصبر أيضاً له حدود قبل الانفجار الاجتماعي الكبير…
عدد الزوار الاجمالي







Total views : 7253432
