بقلم نبيل حرب
في عيد الأب… قبّلوا يده قبل أن تبحثوا عنها فلا تجدونها
ليس كل الناس أيتامًا لأن آباءهم رحلوا… فهناك من يعيش يتمًا حقيقيًا يوم يغيب والده، ولو كان قد تجاوز الستين من عمره. فالأب لا يكبر في قلوب أبنائه، ولا تستبدله الأيام، ولا يعوضه أحد.
إذا كان والدك ما زال إلى جانبك، فلا تؤجل حبك له. قبّل يده صباحًا ومساءً، حدّثه، اقترب منه، استمع إليه، وامنحه شيئًا من الوقت الذي أفنى عمره ليمنحك العمر كله. فهناك يوم ستبحث فيه عن تلك اليد التي كانت تمسح رأسك، فلا تجد إلا الذكرى.
الأب ليس رجلًا يسكن البيت… الأب هو البيت كله.
هو السند الذي إذا مالت الدنيا، استندت إليه. وهو الحصن الذي احتميت به قبل أن تعرف معنى الخوف. هو الرجل الذي كان يقف في وجه العاصفة، كي لا يصل إليك منها شيء يؤذيك.
كم مرة غضب منك؟ وكم مرة ظننت أنه قاسٍ عليك؟ لكنك عندما كبرت، وصار لك أولاد، اكتشفت أن كل نصيحة قالها لك كانت أثمن من الذهب، وأن كل كلمة أوجعتك يومًا كانت تحميك من وجع أكبر كان ينتظرك.
الأب يجوع لتشبع، ويتعب لترتاح، ويسهر لتنام مطمئنًا، ويؤجل أحلامه كي تحقق أحلامك. يلبس القديم لتلبس الجديد، ويخفي ألمه حتى لا ترى في وجهه إلا الطمأنينة.
هو الذي يحمل همّ العائلة وحده، ويبتسم كأن الحياة لا تثقل كتفيه. يعطي بلا حساب، ويضحي بلا منّة، ويحب بلا شروط.
وأجمل لحظات عمره… عندما يرى أبناءه ناجحين. أما أصعب لحظاته، فهي حين يراهم يبتعدون عنه، كل إلى طريقه، ويبقى هو واقفًا عند الباب، يراقبهم بعينين تملؤهما الدعوات والحنين.
انتظر صوت والدك لتسمعه، انتظره بصبر ولا تقفل الخط في وجهه او لا ترد لأنك مشغول مع الاصحاب او عالواتس اب كما هي موضة هذا الزمان…
وعندما يرحل الأب…
لا نفتقد المال الذي كان يؤمّنه، بل نفتقد الأمان.
لا نفتقد صوته فقط، بل نفتقد ذلك الشعور بأن في الدنيا رجلًا يستطيع أن يحمل عنّا كل الهموم.
نشتاق إلى نصائحه التي كنا نملّ منها، وإلى عتابه الذي كنا نهرب منه، وإلى ضحكته، ولمسته، ورائحة ثيابه، وإلى تلك الكلمات البسيطة التي كانت تملأ البيت دفئًا ومحبة.
عندها فقط ندرك أن بعض النعم لا تُعرف قيمتها إلا بعد أن تصبح ذكرى.
في عيد الأب…
لا تنتظر مناسبة لتقول له: أحبك.
ولا تؤجل قبلة على جبينه.
ولا تستكثر عليه اتصالًا أو زيارة.
فالعمر يمضي أسرع مما نظن، والآباء لا يتكررون.
رحم الله كل أبٍ غاب عن هذه الدنيا، وترك في القلوب فراغًا لا يملؤه أحد.
وأطال الله في أعمار الآباء الذين ما زالوا بيننا، وألبسهم ثوب الصحة والعافية، وجعل كل أيامهم أعيادًا، فهم النعمة التي لا تعوّض، والكنز الذي لا يُقدَّر بثمن.
كل عام وكل أبٍ هو دعامة بيته، وسند أولاده، وأمان عائلته…كل عام وانتم بألف خير.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3559623
Total views : 7253432