كلمة د. عماد يونس الفغالي في حفل إصدار وتوقيع كتاب قضايا الناس للصحافي نبيل حرب وقال فيها:”قضايا الناس” في ملء إنسانكَ، النبيل!
إنْ نقرأ “قضايا الناس”، يذهبْ فكرُنا إلى وساعةٍ في الكلمتين. قضايا مصطلحٌ شامل غيرُ محدودٍ في المفهوم اليفترضُ القارئ يقصده المؤلّف. قد يروحُ في مسائلَ متشعّبة، المشاكل ربّما أو الحاجات، وقد تكون أمورًا حياتيّة أو مهنيّة، حالاتٍ إنسانيّة مجتمعيّة أو اقتصاديّة… أمّا الناس ففي اختلافهم، أو في انتماءاتهم وإيديولوجيّاتهم، عبر الأوطان والأديان والأحزاب. وقد تكون حالاتهم الماديّة من فقرٍ وبحبوحة… بعض الناس في مقاربتهم القضايا وآخرون في الرزوح تحت نيرها الثقيل…
كلّ هذا موضوع الكتاب البين أيدينا، يطالعنا به المؤلّف نبيل حرب، متّخذًا عنوانًا ولده بدايةً في زاويته الصحافيّة على صفحات جريدةٍ نعرفها “الأنوار” الغرّاء، الشغلت اللبنانيّين اطّلاعًا يوميًّا على الدنيا ومستجدّاتها، خبرًا وتحليلاً ومعالجةً.
آلاف المقالات حبّرها يراعٌ خبرَ الحياة منذ تخصّصه في الصحافة والإعلام مدّة ثماني وأربعين عامًا حافلة ب “قضايا الناس” وهمومهم، تصوّروا معي كم تشكّل فيها الكاتبُ عارفًا، صوتًا مدوّيًا في مسامع أهلِ القرار والقادرين…
في إهدائه الكتاب يتوجّه “إلى كلّ إنسان حمل قضيّة، أو عاش وجعًا، أو صنع أملاً… إلى كلّ إنسان مرّ في هذه الصفحات، وترك في قلبي حكاية، أو دمعة، أو ابتسامة…” ويكمل في المقدّمة “ما كُتب فيها (الصفحات) لم يكن بالحبر وحده، بل بدموع الناس وآمالهم وأحلامهم وتطلّعاتهم”.
أقسامُ الكتاب ومقالاته، واضحةٌ في الفهرس والمتن. وفي كشفٍ بوحيّ، كلّمتَني مرّتين على تبويب الكتاب وليشيّته، إحداها موثّقةٌ لديّ. لكنْ دعني يا مؤلّفُ أقرأ الأمرَ من زاويتي. لافتٌ في كلّ مقالٍ وجهان: العنوان والأسلوب. في انتظارٍ مسبق، توقّعتُني سأقع على نشرٍ صحافيّ من العيارات الإعلاميّة الصادمة، فإذا بي أحطّ على نصٍّ أدبيٍّ منذ العنوان. فالأخيرُ عنصرٌ مشوّق في حدّ ذاته، يشدّ حينًا في دهشة ويشير أحيانًا إلى دلالاتٍ ورموز. أمّا المضامين المطروحة، فهي في أنماطٍ أدبيّة متعدّدة، سردٍ ووصفٍ ووجدانيّات، ناهيك عن السيرة الغالبًا غيريّة من غير خلوٍّ من ذاتيّات… وقد يغيب النمط الإيعازيّ (الوعظ والإرشاد) شبه دائمًا إلاّ من إيحاءات، ما يغلّب سيميائيّة الغاية في نفس الكاتب والتأثير في المتلقّي!!
في خوضٍ عبر “قضايا الناس”، لافتٌ نصٌّ هو في حدّ ذاته قضيّةٌ عالية. سيرةٌ أبويّة، أبويّةُ صاحب الكتاب، يهدي بين السطور حقيقةَ الأب الحقّة. توّجها من دون تفضيل في ما حكى، باعترافٍ جليل: “كنتُ أخاف عليكما من النسمة”. لأنتَ تخاف عليهما في دائم الأيّام، وتكمل: “… وأنا أعيش على يقظة قلبي من أجلكما”.
وفي الكتاب مقالٌ خاصّ لفتني في امتياز، عنونه الكاتب “بيني وبين أستراليا حكاية عشق”. راح فكري فيه إلى الأدب المهجريّ. يختصر المقال جليًّا رحلةَ أدب المهجر اليشكّل في أدبنا قصّةَ الروح. أقتبسُ قولةَ “وكلّما اشتاقت أرواحنا إليكم، أدركنا أنّ جذوركم في قلوبنا أعمق من أن تُقتلع”. هذا قلبُ الأدب المهجريّ، يحدّد العناصر الكاتبته في ملء. وهذا بالتحديد ما أتاه أديبٌ لبنانيّ في سيدني مجسّدًا ما يمكّننا اعتماد النهضة الاغترابيّة الثانية في أدبه المتعدّد الأنواع، الدكتور جميل الدويهيّ الخصّصه نبيل حرب بمقالٍ في القسم الثالث من كتابه، إلى شخصيّاتٍ لبنانيّة في البلد البعيد اليحبّه، تكلّم عليها بإعجابٍ لإنجازاتها الإنسانيّة خصوصًا.
وكتب في شخصيّاتٍ من لبنان وفيه. اختار نماذجَ أتوا صنيعًا مختلفًا، من عطاءٍ ووفاء، وذاكرة شعرٍ، وخدمة الوطن، ورجال دين ومكرّسين على خطى الإله، انحنوا على أقدام صليب كلّ متألّم… قال في شخصيّاته “تركتْ بصمةً تستحقّ أن تبقى في الذاكرة”.
وعاد إلى تنّورين، معقله ومَعينه “يا أوّل الحكاية وآخرَها… التي “إذا كان لهذا الكتاب أن ينتهي عند صفحةٍ أخيرة، فإنّ محبّتي لها لن تعرف الصفحة الأخيرة أبدًا”.
هذا أنتَ نبيل حرب، تختم بتعلّم. من الأعوام القاربت الخمسين في امتشاق القلم. الصدق في نفسكَ، لم تُبقِه قيمةً تتغنّى بها. صار موقعًا إعلاميًّا اسمُه “الحاضر نيوز”، يجسّد فعلاً إيمانيًّا بحقيقةٍ تشكّلَتكَ، هي الصحافة الطهور، منذ لبنان حتى أستراليا الفيها المكتب التمثيليّ الأوّل للموقع الحاضر يخدمُ الكلمة حرّةً كهي!
“تعلّمتُ، تقول، أنّ الصدق قد لا يقود إلى أعلى المناصب… لكنّه يقود إلى أعلى مراتب الطمأنينة والسلام مع الذات”. في قراءةٍ معاكسة، تؤكّد حال الناس، بعضِهم، الباحثين عن الأمجاد تلك الواهية، تخدمهم المواربة، ويصنع التملّق وصولاتِهم. لكنّ المصالحة مع نفسكَ رفعتكَ إلى مصاف الفكر والحياة اليطالان الإنسان الملء، اليشبه الله! هذا بخياركَ ألاّ تكون إلاّ بين الناس وأن تكتب “قضايا الناس… عنهم ومنهم ولهم”، جعل قرّاءكَ “الرفاق الحقيقيّين في رحلة عمر… وأنّ الكتابةَ ليست مهنة… هي رسالة”. وبعدُ، الرسالةُ الأتيتَها بيراعكَ، ترفعكَ يا حبيبُ إلى كاتبٍ برتبة إنسان.
في ٥ آب ٢٠٢٦








Total views : 7262317