بقلم نبيل حرب

هناك أصدقاء نعبر معهم سنوات العمر، وهناك أصدقاء نعبر معهم العمر كله…
وغسان عازار واحد من هؤلاء الذين لا تُقاس علاقتنا بهم بالسنوات، بل بما تركته تلك السنوات من مواقف وذكريات ومحبة ووفاء. فمنذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، يوم جمعتنا جريدة الأنوار، بدأت حكاية صداقة أعتز بها كثيراً، واستمرت على مدى نحو أربعين عاماً، لم تستطع الأيام، بكل ما حملته من مشاغل ومسافات وتعب ويأس واحباط… أن تطفئ دفئها.
يومها كان غسان مسؤولاً عن أخبار قضاء البترون. وكان صحافياً من ذلك النوع الذي أحب أن أسميه «الصحافي الصيّاد»؛ عيناه لا تفوّتان خبراً، وأذناه تلتقطان ما قد لا يسمعه الآخرون، وحضوره في الميدان يسبق الخبر أحياناً.
كان يلاحق الأحداث بشغف، ويكتب عنها بطريقة ملفتة، لكن ما كان يميز كتابته أكثر هو تلك الرائحة الجميلة التي كانت تفوح من كلماته: رائحة محبته للبترون.
فغسان ابن البترون، والبترون بالنسبة إليه ليست مجرد قضاء يغطي أخباره، بل حكاية عمر وذاكرة وأهل وبيوت ووجوه وناس يعرفهم ويعرفونه.
ومع مرور الأيام، لم تبق علاقتنا في حدود الزمالة. تكررت اللقاءات، وتعمقت الصداقة وصار بيننا خبز وملح، وأصبح غسان واحداً من الأصدقاء الذين تشعر معهم أن الصحافة يمكن أن تكون جسراً بين الناس، لا مجرد مهنة.
وفي مرحلة لاحقة، تولى مسؤولية مكتب الوكالة الوطنية للإعلام في البترون، وهناك أيضاً أثبت أن الخبر بالنسبة إليه مسؤولية قبل أن يكون مادة صحافية. وبشهادة كل من عرفه وعمل معه، لم يقصر يوماً في متابعة حدث أو ملاحقة خبر أو إيصال صورة حقيقية عما يجري، وكان حاضراً حيث يجب أن يكون الصحافي حاضراً تماما كما تفعل الزميلة العزيزة لميا شديد اليوم.
باعدت الأيام بيننا قليلاً، كما تفعل الحياة أحياناً. لكن الصداقة الحقيقية لا تحتاج إلى لقاء يومي كي تبقى حية.
وحين عدنا والتقينا، شعرت أنني لم ألتقِ غسان بعد غياب، بل التقيت صديقاً لم يغادر مكانه في القلب.
وجدته كما عرفته، وربما أجمل.
وجدته صديقاً للجميع، قريباً من الناس، وخصوصاً من كبار السن الذين يرى فيهم ذاكرة البترون وكنزها الإنساني. يقصدهم، يستمع إليهم، ويتحدث عنهم، ويقترح تحويل بعض منازلهم إلى حدائق ثقافية ومنتديات ونوادي، وكأنه يريد أن يقول إن البيوت القديمة لا ينبغي أن تموت، وإن ذاكرة الناس تستحق أن تبقى حية.
ويكتب عن الذين أمضوا سنوات من عمرهم في الخدمة العامة، فيضيء على تجاربهم، وينصف من يستحق الإنصاف، ويقدم النماذج الجيدة في الإدارة والعمل العام، بعيداً من التملق والمبالغة…
وغسان لا يعيش على هامش الحياة البترونية.
تراه في المنتديات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والزراعية والسياسية رغم تقاعده هو القائل ان الصحافي لا يتقاعد والفكر لا يتقاعد. في كل مكان تقريباً تجد له حضوراً. يُدعى إلى المناسبات، ويحرص على أن يكون موجوداً، لا حباً بالظهور، بل لأنه يؤمن أن الصحافي يجب أن يكون بين الناس، يسمعهم ويعرفهم ويعرّف بعضهم إلى بعض.
والأجمل في غسان أنه لا يكتب ليصطاد أخطاء الناس، ولا يبحث عن زلة ليصنع منها خبراً.
قد يختلف مع أحد، وقد يعرف أن شخصاً ما قصّر، لكنه لا يحوّل الصحافة إلى ساحة تصفية حسابات. لا يتناول الناس بالسوء، ولا يحمل الضغينة، ولا يسمح للخلافات بأن تتحول إلى خصومات.
غسان يحب الجميع، ويسالم الجميع، ويهادن الجميع.
ولعل أجمل ما فيه أنه حين يتعلق الأمر بزملائه الصحافيين، يتحول إلى سند حقيقي. يدافع عنهم بمحبة وطيبة، ويقف إلى جانبهم، لأن الزمالة عنده ليست كلمة تُقال، بل موقف يُمارس.
ورغم كل هذا الحضور، تبقى عائلته في قلبه،
أولاده وأحفاده يحتلون مساحة كبيرة من حياته، وله معهم عالمه الخاص، وفرحه الخاص، واهتماماته التي لا تخفيها عنه مسؤولياته ولا صداقاته ولا نشاطاته.
لكن العائلة لم تجعله يوماً يغلق بابه أمام الناس.
فإذا اتصل به صديق، أو طلب منه أحد أن يساعد في تغطية نشاط أو مناسبة،او استعان بأرشيفه، تجده يلبي النداء بكل لطف، وكأن الوقت متسع دائماً، وكأن مساعدة الآخرين جزء طبيعي من طبعه.
وهنا ربما تكمن قيمة غسان الحقيقية.
فهو لا يقيس الصداقة بالمصلحة، ولا الزمالة بالحسابات، ولا الناس بمراكزهم.
هو ابن البترون الذي بقي وفياً لمدينته وأهلها، والصحافي الذي بقي وفياً لمهنته، والصديق الذي بقي وفياً لأصدقائه.
وبالنسبة إليّ، غسان ليس مجرد زميل قديم من أيام الأنوار.
إنه جزء من مرحلة جميلة من حياتي، من زمن الصحافة التي كانت تقوم على المشي في الشوارع، والبحث عن الخبر، والجلوس مع الناس، والاستماع إليهم، وبناء الصداقة من قلب المهنة…
أربعون عاماً وأكثر، مرّت فيها أحداث كثيرة، وتبدلت صحف ومؤسسات ووجوه، وتغيرت الصحافة نفسها، لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً: محبتنا لبعضنا البعض.
وقد أكون عاجزاً عن أن أضع في مقال واحد كل ما أختزنه تجاه هذا الرجل من تقدير ومحبة ، لكنني أستطيع أن أقول له اليوم،
لقدجمعتنا الصحافة منذ مطلع الثمانينات، لكن الذي أبقانا معاً لم يكن الصحافة وحدها.
أبقتنا المحبة.
وأبقى صداقتنا الوفاء.
وأبقت مواقفك الجميلة صورتك حاضرة في القلب، مهما باعدت بيننا الأيام.
لذلك، إذا أردت أن أختصر غسان عازار في كلمة واحدة، فلن أبحث كثيراً.
سأقول:
غسان عازار… عنوان للوفاء.
وفاء للبترون، وفاء للناس، وفاء للصحافة، وفاء للزملاء، ووفاء للصداقة…في زمن اللا قيم واللا مبادئ واللا وفاء…

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3564139
Total views : 7262306