بقلم : نبيل حرب

كفى ضرائب ورسومًا وفواتير، وكفى أن يدفع المواطن اللبناني ثمن الانهيار من لقمة عيشه، ومن راتبه، ومن مدخراته، ومن أعصابه، ومن مستقبل أولاده…
كفى أن يبدأ الموظف شهره براتبه، فينتهي راتبه قبل أن ينتهي الأسبوع الأول من الشهر.
كفى كهرباء تُدفع لها فاتورتان، واحدة للدولة وأخرى للاشتراك الخاص.
كفى مياه تُدفع مرتين، مرة عبر الرسوم الرسمية، ومرة عبر الصهاريج، وكأن المواطن يعيش في بلدين لا في بلد واحد.
كفى فواتير اتصالات، واشتراكات، وبنزين، ومدارس وجامعات، وطبابة واستشفاء، حتى بات المواطن يحسب خطواته قبل أن يخطوها، ويحسب ما تبقى في جيبه قبل أن يشتري أبسط حاجاته.
كفى ارتفاعًا في أسعار الدواء، وكفى أن يصبح المرض في لبنان ترفًا لا يقدر عليه إلا من يملك المال.
كفى أن يصبح الذهاب إلى الطبيب معركة، والاستشفاء مخاطرة، وتأمين الدواء همًّا يضاف إلى هموم الناس.
كفى تجار أزمات يتفننون في رفع الأسعار كلما ارتفعت حرارة الأزمة، وكأن معاناة الناس أصبحت موسمًا للربح.
كفى أن يتحول الدولار، الذي كان اللبناني يظنه ملاذًا، إلى رقم يتآكل أمامه ما تبقى من قدرته الشرائية.
كفى إيجارات تحرق جيوب الناس، وكفى استغلالًا لحاجة اللبناني إلى سقف يأويه، ولا سيما في ظل الظروف التي فرضها تدمير البيوت ونزوح العائلات.
كفى أن يصبح تأمين منزل لائق حلمًا، وأن يصبح دفع الإيجار معركة شهرية.
كفى أن نسأل الموظف: كيف تعيش؟
وكفى أن نسأل من لا وظيفة له: كيف يبقى؟
فالراتب لم يعد راتبًا، بل موعدًا قصيرًا مع الفواتير. وما إن يقبض الموظف أجره حتى تتسابق إليه الكهرباء والمياه والهاتف والبنزين والإيجار والمدرسة والجامعة والدواء، فلا يبقى منه شيئا.
كفى أن يعيش اللبناني على الحافة.
وكفى أن يصبح كل يوم جديد فاتورة جديدة.
وكفى أن يُطلب من المواطن أن يدفع أكثر، فيما دخله عاجز عن اللحاق بأبسط متطلبات الحياة.
ثم تأتي المفاجأة الجديدة: ضريبة على النفايات!
حتى النفايات أصبح لها ثمن في بلد يدفع فيه المواطن أصلًا أثمانًا باهظة مقابل خدمات يفترض أن تكون من صلب واجبات الدولة.
كفى ضرائب على المواطن الذي لم يعد يعرف من أين يدفع.
كفى رسومًا على المواطن الذي استُنزف راتبه ومدخراته.
كفى تحميل الناس وحدهم فاتورة سنوات من الأزمات والانهيارات.
والأخطر من كل ذلك أن الودائع التي ائتمن اللبناني عليها المصارف أصبحت في مهب الريح، فيما لا يزال المواطن يُطلب منه أن يدفع المزيد، وكأن ما تبقى في جيبه هو الحل لكل أزمات البلد.
أي حكومة هذه التي تطلب من مواطنها أن يدفع أكثر، فيما لا تستطيع أن تمنحه الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي؟
أي عدالة اجتماعية هذه التي تجعل المواطن يدفع فاتورة الكهرباء مرتين، والمياه مرتين، والطبابة بأسعار مضاعفة، والتعليم بأسعار تفوق قدرة العائلات، ثم تطلب منه أن يتحمل المزيد؟
كفى…فالمواطن اللبناني ليس ماكينة دفع.
وليس مصرفًا مفتوحًا.
وليس صندوقًا لتعويض عجز الدولة.
المواطن إنسان، له الحق في أن يعيش، وأن يعمل، وأن يربي أبناءه، وأن يمرض من دون أن يخاف من فاتورة المستشفى، وأن يتعلم أولاده من دون أن يتحول التعليم إلى عبء يفوق طاقته، وأن يسكن في بيت من دون أن يبتلع الإيجار معظم دخله.
كفى أن يصبح حلم اللبناني الهجرة.
كفى أن يحمل الشاب شهادته، ثم يبحث عن بلد آخر يستطيع فيه أن يعيش بكرامة.
كفى أن يودع الأهل أبناءهم في المطار، لا لأنهم يريدون الرحيل، بل لأن لبنان لم يعد يمنحهم فرصة للبقاء.
وكفى أن يعيش اللبناني بين خوفين: خوف الغلاء، وخوف الحرب.
فالوضع الأمني وحده يكفي لإرهاق الناس. يكفي أن يستيقظ المواطن كل صباح ولا يعرف ماذا يحمل له المساء، وهل سيبقى في منزله أم سيضطر إلى النزوح من جديد.
لقد تعب اللبناني.
تعب من الانتظار، ومن الوعود، ومن الفواتير، ومن الضرائب، ومن الرسوم، ومن الأزمات التي لا تنتهي.
كفى.
هذه ليست صرخة ضد الدولة، بل صرخة من أجل الدولة.
ليست دعوة إلى الفوضى، بل دعوة إلى أن تتذكر الدولة أن المواطن هو أساسها، وأن الضرائب والرسوم لا يمكن أن تكون الحل الدائم لكل عجز.
فالضرائب تُفرض عندما تكون هناك قدرة على الدفع، أما عندما يصل المواطن إلى مرحلة يعجز فيها عن تأمين الخبز والدواء والسكن والتعليم، فإن الاستمرار في فرض الأعباء لا يكون إصلاحًا، بل استنزافًا لما تبقى من حياة الناس.
كفى.
لقد دقّ الخطر جرسه.
ولم يعد الوضع المعيشي في لبنان يحتمل مزيدًا من الضرائب والرسوم والأعباء.
قبل أن ينهار ما تبقى من الطبقة الوسطى، وقبل أن يصبح الفقر هو القاعدة، وقبل أن يصبح لبنان بلدًا يعيش فيه من يملك القدرة على الدفع فقط، يجب أن يتوقف أحد ويسأل:
إلى أين؟
إلى أين يأخذون المواطن؟
وإلى متى يستطيع أن يتحمل؟
وكم بقي في جيبه؟
وكم بقي في قلبه من قدرة على الاحتمال؟
كفى…
كفى أن ندفع ثمن كل شيء، وأن ندفع فوقه ثمن الانهيار.
كفى أن يدفع المواطن ثمن أخطاء لم يرتكبها.
كفى أن يكون اللبناني الحلقة الأضعف في كل معادلة.
كفى.
فإذا كان الوطن يريد أبناءه، فعليه أولًا أن يمنحهم سببًا للبقاء.
وإذا كانت الدولة تريد من المواطن أن يدفع، فعليها أن تمنحه في المقابل حقه في الحياة الكريمة.
أما أن يُطلب من اللبناني أن يدفع أكثر، ويعيش أقل، ويخاف أكثر، ويأمل أقل…
فهذا، ببساطة، لم يعد يُحتمل.
كفى…وبأعلى الصوت.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3564139
Total views : 7262306