بقلم نبيل حرب
لم تكن الكارثة التي أصابت اللبنانيين في أموالهم مجرّد أزمة مالية عابرة، ولم تكن أرقاماً في جداول المصارف، ولا حسابات مجمّدة على شاشات الهواتف. كانت سرقةً لسنوات العمر، لعرق الجبين، لأحلامٍ صغيرة جمعها أصحابها قرشاً فوق قرش، وهم يظنون أن المال الذي تعبوا في جمعه سيكون ملاذهم الأخير عندما تنتهي رحلة العمل.
لكن ماذا يحدث للإنسان عندما يصل إلى نهاية الطريق، فيكتشف أن الملاذ الذي وثق به لم يعد موجوداً؟
أعرف لبنانياً أمضى سنوات طويلة في الاغتراب. عمل وتعب، ووفّر من راتبه، وعاش بعيداً عن أهله ووطنه، إلى أن بلغ الستين. عندها قال: حان الوقت لأعود إلى لبنان، لأعيش ما تبقى من عمري بين أهلي وناسي، وأنعم بما جمعته خلال سنوات الغربة.
عاد… لكنه لم يكن يعلم أن المصارف التي أودع فيها جنى عمره ستنهار، وأن أمواله التي ظنها أماناً ستتحول إلى أرقام لا يستطيع الوصول إليها.
لم يخسر المال فقط.
خسر معه قدرته على الحياة.
انزوى في منزله، وابتعد عن الناس، ولم يعد يشاركهم أفراحهم ولا أحزانهم. صار يعتذر عن المناسبات، لا لأنه لا يريد لقاء أحبائه، بل لأنه لم يعد قادراً على أن يعيش كما كان. كيف يذهب إلى عرس وهو عاجز عن تقديم واجب؟ وكيف يذهب إلى مأتم وهو بالكاد يؤمّن حاجاته؟ وكيف يجلس بين الناس، وهو يشعر أن سنوات عمره كلها ذهبت هباءً؟
وهناك أستاذ جامعي أعرفه أيضاً.
أمضى حياته في التعليم، يربي الأجيال ويعلّم الطلاب، وكان ينتظر يوم التقاعد كما ينتظر الإنسان حصاد سنواته. قال في نفسه: عندما أتقاعد، سأرتاح. سأعيش من راتبي التقاعدي، وأستفيد من الأموال التي ادخرتها طوال حياتي.
جاء التقاعد.
لكن الراحة لم تأتِ.
ذهب ما ادخره في المصرف، وتبخرت أمواله، وأصبح الراتب الذي كان يفترض أن يؤمّن له حياة كريمة عاجزاً عن تأمين أبسط احتياجاته.
فتقاعد من العمل، لكنه لم يتقاعد من القلق.
وانزوى هو الآخر في منزله.
وثالث أعرفه، ربما تختصر قصته حكاية جيل كامل من اللبنانيين.
كان في شبابه ينام أحياناً بلا عشاء، لا لأنه لا يحب الطعام، بل لأنه كان يريد أن يوفر بعض المال. كان يقول: «هذه القروش البيضاء لليوم الأسود».
حرم نفسه من أشياء كثيرة. لم يعش شبابه كما يجب. لم يسافر، لم يستمتع، لم ينفق إلا بالحد الأدنى، لأن في رأسه حلماً بسيطاً: أن يجمع ما يكفي ليتزوج، ثم يعلّم أولاده، ثم يؤمّن لهم مستقبلاً أفضل.
تزوج،وكبر الأولاد.دخلوا الجامعات.وكان هو لا يزال يحسبها بالقرش.
ثم جاء اليوم الذي اكتشف فيه أن ما جمعه طوال عمره لم يعد موجوداً.
كل ذلك التقشف، كل تلك الليالي التي نام فيها جائعاً، كل تلك الرغبات التي قتلها في نفسه، كل تلك السنوات التي قال فيها: «غداً أعيش»، لم تنقذه.
اضطر إلى بيع منزله.
واليوم يعيش في الإيجار.
والأقسى من ذلك أنه لم يعد قادراً حتى على دفع الإيجار بسهولة.
يستدين ليعيش.
أي مأساة أكبر من أن يعمل الإنسان طوال عمره، ويوفر طوال عمره، ويحرم نفسه طوال عمره، ثم يجد نفسه في آخر العمر بلا بيت، وبلا مدخرات، وبلا قدرة على تأمين أبسط مقومات الحياة؟
هذه ليست قصصاً من رواية حزينة.
هذه قصص لبنانيين.
وربما في كل بيت لبناني قصة مشابهة.
هناك من باع أرضاً.
وهناك من باع منزلاً.
وهناك من أوقف علاجاً.
وهناك من أجّل عملية.
وهناك من لم يعد قادراً على مساعدة أولاده.
وهناك من هاجر أولاده وبقي هو وحيداً.
وهناك من عاش عمره كله وهو يعتقد أن المال الذي يضعه في المصرف هو أمانه، فإذا بالأمان يتحول إلى خوف، والادخار إلى حسرة، والتقاعد إلى كابوس.
السؤال هنا ليس فقط: أين ذهبت أموال اللبنانيين؟
السؤال الأكبر: أين ذهب حق اللبناني؟
كيف يمكن لإنسان أن يعمل أربعين سنة، ويدفع الضرائب والرسوم، ويودع أمواله في المصارف، ثم يُطلب منه أن يتحمل وحده نتائج الانهيار؟
كيف يمكن أن يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف دائماً؟
المواطن دفع الثمن.
من خسر أمواله دفع الثمن.
من خسر وظيفته دفع الثمن.
من تراجعت قيمة راتبه دفع الثمن.
من هاجر أولاده دفع الثمن.
من باع منزله دفع الثمن.
ومن بقي في وطنه دفع الثمن أيضاً.
حتى اللبناني الذي لم يكن يملك في المصرف سوى بعض «القروش البيضاء» اكتشف أن تلك القروش كانت أثمن من كل شيء، لأنها كانت تمثل سنوات من التعب.
والغريب أننا، بعد كل ما حصل، ما زلنا نعيش وكأن الأمر قدر لا يمكن تغييره.
نسأل بعضنا بعضاً: «شو بدنا نعمل؟»
ثم نعود إلى منازلنا.
ننتظر.
نراقب.
نشتكي.
نتذمر.
ونعتاد.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
هل أصبح اللبناني يتأقلم مع الظلم بدلاً من أن يرفضه؟
هل أصبحنا شعباً يدفن رأسه في الرمل كالنعامة، على أمل ألا يرى المشكلة، فيما المشكلة تكبر من حوله؟
وهل المطلوب من المواطن الذي خسر جنى عمره أن يصمت؟
أن ينتظر؟
أن يموت قبل أن يستعيد حقه؟
لا.
المواطن ليس رقماً في دفاتر المصارف.
وليست وديعته رقماً يمكن شطبه.
إنها سنوات عمره.
إنها صحته.
إنها أحلامه.
إنها تعليم أولاده.
إنها البيت الذي كان يحلم أن يتركه لهم.
إنها الشيخوخة التي كان يعتقد أنه سيعيشها بكرامة.
حين تُسرق مدخرات الإنسان، لا تُسرق أمواله فقط، بل يُسرق جزء من مستقبله.
ولذلك فإن قضية أموال المودعين ليست قضية مالية فحسب.
إنها قضية كرامة وحقوق وعدالة اجتماعية.
قد يقول قائل: «وماذا يستطيع المواطن أن يفعل؟»
وأقول: يستطيع أن يرفع صوته.
يستطيع أن يسأل.
يستطيع أن يطالب.
يستطيع أن يحاسب.
يستطيع أن يرفض تحويل الجريمة إلى أمر طبيعي.
لا يكفي أن نلعن الانهيار في جلساتنا الخاصة، ثم نذهب إلى بيوتنا.
ولا يكفي أن نتحدث عن أموالنا في المقاهي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.
الحقوق لا تعود بالصمت.
والعدالة لا تولد من الاستسلام.
المطلوب دولة تضع حقوق الناس في مقدمة أولوياتها، وتشريعات تحمي المودعين، ومحاسبة حقيقية لكل من تسبب في الكارثة، وخطة واضحة وقابلة للتنفيذ لإعادة الحقوق إلى أصحابها، لا وعوداً جديدة تضاف إلى سنوات الانتظار.
والمطلوب أيضاً ألا يتحول المواطن إلى متسول أمام مؤسسة كان يضع فيها ماله بثقة.
أي عدالة هذه التي تجعل صاحب الوديعة يطلب «المساعدة» ليستعيد جزءاً من ماله؟
إنه لا يطلب صدقة.
إنه يطلب حقه.
وفي النهاية، ثمة سؤال مؤلم لا أجد له جواباً:
ماذا نقول لذلك الرجل الذي بلغ الستين، وعاد من الغربة ليعيش ما تبقى من عمره في بلده، ثم وجد نفسه وحيداً في منزله؟
ماذا نقول للأستاذ الجامعي الذي أمضى عمره في التعليم، ثم وصل إلى التقاعد ولم يجد ما يعيش منه؟
ماذا نقول للأب الذي حرم نفسه من لقمة ومن متعة ومن رحلة، وجمع «القروش البيضاء» ليؤمّن مستقبل أولاده، ثم اضطر إلى بيع بيته ليستطيع الاستمرار؟
هل نقول لهم: اصبروا؟
لقد صبروا.
هل نقول لهم: تحمّلوا؟
لقد تحمّلوا.
هل نقول لهم: الأزمة كبيرة؟
لقد دفعوا ثمنها أكبر مما يستطيعون.
ما يحتاجه اللبناني اليوم ليس مزيداً من الكلام عن الصبر، بل خطة تعيد إليه الأمل، وحقاً يعيد إليه كرامته.
فالمواطن الذي أفنى عمره في العمل لا يريد قصراً.
يريد سقفاً يأويه.
لا يريد ثروة.
يريد أن يعيش بكرامة.
لا يريد امتيازات.
يريد فقط أن يستعيد ما جمعه بعرق جبينه.
لقد أخذوا من اللبنانيين الكثير…
فلا تأخذوا منهم أيضاً حقهم في أن يصرخوا.
ولا تجعلوا من الصمت فضيلة حين يكون الكلام دفاعاً عن الحق.
فالذي سُرق من اللبنانيين ليس المال فقط…بل سرقت اعمارهم!








Total views : 7262306