بقلم نبيل حرب

في زمنٍ كثرت فيه الشكوى من مؤسسات الدولة، وبات المواطن في كثير من الأحيان يدخل إليها مثقلاً بالهموم، ويخرج منها مثقلاً بالانتظار والخيبة، تأتي بعض التجارب لتقول إن المشكلة ليست دائماً في المؤسسة، بل أحياناً في من يديرها، وفي مقدار ما يحمله المسؤول من إحساس بالمسؤولية.
ومن هنا تبدو تجربة قائمقام جبيل ناتالي مرعي الخوري مختلفة، هي واحدة من أولئك المسؤولين الذين يعيدون إلى الوظيفة العامة شيئاً من معناها الحقيقي: خدمة الناس…
في قضاء جبيل، لا تجلس ناتالي مرعي الخوري خلف مكتبها بانتظار أن تصل إليها المشاكل، بل تذهب هي إليها… تتابع وتسأل وتتفقد وتستمع وتشارك الناس حياتهم اليومية، وتحرص على أن تكون الإدارة حاضرة حيث يجب أن تكون حاضرة… في البلديات، في المؤسسات التابعة للقضاء، وفي الملفات الإنمائية والخدماتية، تبدو المتابعة عندها جزءاً من أولويات يوميات العمل، لا واجباً موسمياً ولا استعراضاً أمام الكاميرات.
والأجمل أنها لا تكتفي بسماع الناس من خلف المكتب كما يقولون، بل تشاركهم مهرجاناتهم، تلتقي بهم في مناسباتهم، تتحاور معهم، وتسألهم عن همومهم… تصغي إلى المواطن لا باعتباره رقماً في معاملة، بل باعتباره إنساناً لديه مشكلة ويريد من الدولة أن تسمعه وتحلها…
وإذا وصلت إليها شكوى، لا تكتفي بتسجيلها أو إحالتها إلى درج من الأدراج التي قد تنام فيها الملفات طويلاً، إنما تحيلها إلى المرجع المختص، وتتابعها، وتسعى إلى معالجتها ضمن ما يسمح به القانون والإمكانات.
ناتالي مرعي الخوري لا تعطي المواطن وعوداً كبيرة، بل تحاول أن تعطيه جواباً، والفرق بين الاثنين كبير. فالناس لا تريد مسؤولاً يقول لها: «سنعالج الموضوع»، ثم يغيب. الناس تريد من يسمعها، ويتابع معها، ويعود إليها بالنتيجة، حتى لو كانت النتيجة أحياناً أن الحل يحتاج إلى وقت أو إلى مرجع آخر.
هذه الروحية هي التي تجعل من المسؤول موظفاً عاماً إنسانياً وخلوقاً بالمعنى الحقيقي للكلمة.
انها امرأة تعمل بكدّ وبجهد وبعزم، وتعرف أن الموقع الإداري ليس امتيازاً، بل مسؤولية. وأن كرسي القائمقام ليس مكاناً للجلوس والوجاهة، بل مساحة للعمل والمتابعة والتنسيق وحل المشكلات.
ولعل أكثر ما يلفت في شخصيتها أنها لا تفصل بين الإدارة والناس، فهي موجودة في أفراحهم، كما هي موجودة في همومهم ومشاكلهم. تلتقيهم في المهرجانات والاحتفالات، كما تلتقيهم في الملفات البلدية والإنمائية. تستمع لأصحاب المطالب، وتتحاور مع رؤساء البلديات، وتنسق مع المؤسسات والإدارات، وتحاول أن تضع لكل مشكلة الطريق الذي يقود إلى الحل.
وهكذا شيئاً فشيئاً، تتشكل صورة مختلفة للدولة… الدولة التي لا تأتي إلى المواطن فقط عندما تطلب منه ورقة أو معاملة أو رسماً أو ضريبة، بل تأتي إليه أيضاً لتسأل: ماذا تحتاج؟ وما الذي نستطيع أن نفعله؟
ولأن الصورة التي يكوّنها المواطن عن الدولة لا تتشكل فقط من القوانين والمراسيم، بل من الأشخاص الذين يمثلونها أمامه، فإن المسؤول الناجح يستطيع أن يترك أثراً يتجاوز حدود مكتبه.
من هنا، يمكن القول إن القائمقام ناتالي مرعي الخوري تعطي صورة راقية عن الإدارة اللبنانية.
ليس لأنها تستطيع أن تحل كل مشكلة، فليس هناك مسؤول يستطيع ذلك، وليس لأن كل الملفات سهلة، بل لأنها تتعامل مع الملفات بروح المسؤولية وبصدق، ومع الناس باحترام، ومع موقعها الوظيفي بجدية.
وهذا هو المطلوب من الموظف العام، أن يعرف أن المواطن الذي يقف أمامه ليس متسولاً لخدمة، بل صاحب حق.
أن يعرف أن الإصغاء جزء من المسؤولية،وأن المتابعة ليست منّة،وأن معالجة مشكلة صغيرة لمواطن قد تعني بالنسبة إليه الكثير.
في قضاء جبيل، تبدو الخوري نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه المسؤول عندما يضع الإنسان في صلب العمل، والمصلحة العامة فوق كل اعتبار.
ولذلك فإن الحديث عنها ليس حديثاً عن امرأة تشغل منصب قائمقام فحسب، بل عن نموذج إداري نحتاج إلى أن نراه أكثر في مؤسسات الدولة.
نحتاج إلى مسؤولين يشبهون الناس، يسمعونهم، يمشون بينهم، يعرفون أفراحهم وأوجاعهم، ولا يختبئون خلف الأبواب الموصدة ويشكلون عبئاً على الناس.
نحتاج إلى موظف عام يؤمن بأن المنصب تكليف لا تشريف، وأن السلطة الحقيقية ليست في أن يأمر المسؤول ويكثر من الاستعراض والمظاهر، بل في أن يكون قادراً على خدمة الناس وحل مشاكلهم.
ولهذا فهي تبدو بكل بساطة، الموظف المناسب في المكان المناسب.
ففي بلدٍ يتطلع فيه اللبناني إلى استعادة ثقته بمؤسسات الدولة، قد لا نحتاج دائماً إلى خطب كبيرة كي نقنعه بأن الدولة يمكن أن تكون إلى جانبه.
يكفي أحياناً أن يطرق بابها… فيجد من يفتح له، ويسمعه، ويتابعه، ويحاول أن يساعده…
عندها فقط، يشعر المواطن أن الدولة ما زالت موجودة، وأن لها وجهاً جميلاً هذه المرة ،هو وجه قائمقام جبيل: ناتالي مرعي الخوري.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3564139
Total views : 7262306