أيها الحضور الكريم،

أيها الأحبة،
أيها الأصدقاء الذين جمعهم الأدب، وجمعهم لبنان، وجمعتهم أستراليا…

حين قرأت عنوان هذا اللقاء: «أفكار اغترابية للأدب الراقي»، شعرت أن العنوان وحده يختصر حكاية الدكتور جميل الدويهي.

فهو لم يأخذ الأدب معه إلى الاغتراب فحسب، بل أخذ لبنان معه… وأخذ اللغة العربية، والذاكرة، والحنين، وصورة الوطن، ليزرعها في أرض بعيدة، ثم يعود بها إلينا أكثر جمالاً واتساعاً.

أنا شخصياً، تعرفت إلى الدكتور جميل الدويهي عام 1996، عندما زرت أستراليا. ومنذ ذلك التاريخ بدأت علاقة لم تكن كثرة اللقاءات هي التي تقيس عمقها، بل كانت تقيسها المحبة، والاحترام، والمشاعر الطيبة.

ثم ازدادت هذه العلاقة رسوخاً عندما عاد جميل إلى لبنان، وحاول أن يقيم فيه ويعمل في جريدة «الديار»، ثم أستاذاً في جامعة سيدة اللويزة.

وهنا، بالنسبة إليّ، لم يعد جميل الدويهي مجرد أديب لبناني التقيته في أستراليا، بل أصبح أيضاً جزءاً من حكاية أعرفها وأعتز بها، لأن زوجته الكريمة من آل رعيدي في تنورين، من بلدتي التي أحب.

لذلك، عندما أتحدث عن جميل، أشعر أنني لا أتحدث عن شخص بعيد، بل عن إنسان عبر المسافة بين لبنان وأستراليا، وحوّل هذه المسافة إلى جسر.

أيها الأصدقاء،

هناك لبنانيون هاجروا إلى أستراليا، وهناك لبنانيون حملوا لبنان معهم إلى أستراليا.

والدكتور جميل واحد من هؤلاء.

منذ أن غادر لبنان عام 1988، لم يسمح للاغتراب أن يقطع صلته بوطنه، ولم يسمح للبعد أن ينتزع منه لغته. كتب الشعر والرواية والقصة، وعمل في الإعلام والتعليم، وحمل قلمه معه أينما ذهب.

وعندما أطلق عام 2014 مشروعه «أفكار اغترابية للأدب الراقي»، لم يكن يؤسس لمهرجان أدبي عابر، بل كان يعلن أن الاغتراب اللبناني يمكن أن يكون مساحة جديدة لازدهار الثقافة العربية.

وفي سيدني وملبورن، جمع الأدباء والمثقفين، وكرّم أصحاب الفكر والإبداع، وشجّع الكتاب، ووزّع الكتب مجانا، وفتح الأبواب أمام الكلمة الجميلة.

وهذا هو الدور الحقيقي للمثقف في الاغتراب:
ألا يكتفي بأن يحنّ إلى وطنه، بل أن يخدم وطنه من مكانه.

لقد استطاع جميل أن يجعل من أستراليا مكاناً للإبداع اللبناني، ومن الأدب جسراً بين شعبين وبلدين، وأن يقول للأجيال الجديدة من اللبنانيين هناك: يمكنكم أن تكونوا أستراليين في وطنكم الثاني، وأن تبقوا لبنانيين في ذاكرتكم وثقافتكم، وأن تحملوا أجمل ما في لبنان إلى العالم.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للعلاقات اللبنانية ـ الأسترالية.

علاقة لا تقوم فقط على السياسة والاقتصاد والمصالح، بل على الإنسان، والثقافة، والمحبة، والاحترام المتبادل.

أيها الدكتور جميل،

قد لا تكون لقاءاتنا كثيرة، لكن بعض العلاقات لا تحتاج إلى كثرة اللقاءات كي تكبر.

يكفي أن يترك الإنسان في القلب أثراً جميلاً…

وأنت تركت هذا الأثر.

واليوم، وأنا أقف هنا، لا أريد أن أعدد كتبك التسعة والسبعين، ولا أن أعدد شهاداتك ومواقعك وإنجازاتك، لأن الكتاب الأهم الذي كتبته هو علاقتك بالناس، ومحبتك للبنان، وإيمانك بالكلمة.

وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن أقوله لك في هذه المناسبة:

شكراً لأنك لم تجعل من الاغتراب بُعداً عن لبنان، بل جعلت منه طريقاً للعودة إليه.
وشكراً لأنك لم تحمل لبنان في حقيبة سفر، بل حملته في كتاب وقصيدة وفكرة.
وشكراً لأنك جعلت من الأدب جسراً، ومن الكلمة بيتاً، ومن الاغتراب رسالة.

وأخيراً، من لبنان الذي أحببته، ومن تنورين التي أصبحت جزءاً من عائلتك، ومن كل لبناني في أستراليا يشعر أن وطنه الأول ما زال يسكن قلبه…

أقول لك:
مبارك لك مشروع التوأمة، ومبارك للأدب بك، ومبارك للبنان بأبنائه الذين مثلك، يثبتون أن الوطن قد يبتعد عن العين، لكنه لا يبتعد عن القلب.

كل المحبة والوفاء للدكتور جميل الدويهي،
ولـ«أفكار اغترابية للأدب الراقي»،
ولكل كلمة جميلة تعبر البحر من أستراليا إلى لبنان، ومن لبنان إلى العالم.

وشكراً لكم.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3564235
Total views : 7262525