بقلم : نبيل حرب _ رئيس التحرير
في زمنٍ اختلطت فيه المعايير، وعلت أصوات المصالح فوق صوت الناس، تبرز النائب بولا يعقوبيان كحالةٍ استثنائية في الحياة البرلمانية اللبنانية، ليست مجرد نائب تشغل مقعدًا في المجلس، بل صوتٌ صريح، وحضورٌ دائم، وموقفٌ لا يلين عندما يتعلّق الأمر بحقوق الناس وكرامتهم…
منذ دخولها إلى مجلس النواب اللبناني، لم تكن من أولئك الذين يكتفون برفع اليد عند التصويت، أو بإلقاء كلماتٍ عابرة. كانت ولا تزال، حاضرة في الجلسات العامة وفي اجتماعات اللجان وفي ساحات الاعتراض حين تستدعي الحاجة. نادرة هي الأيام التي تغيب فيها عن المجلس، ونادرة هي المواقف التي تحتاج الى شجاعة،حتى في السياسة، وتتردد في إعلانها.
ففي وطنٍ ما زالت فيه الذكورية السياسية تتحكم بالمشهد، وتُفضَّل فيه “الطاعة” على الجرأة، و”الصمت” على المواجهة، لا تقبل بولا يعقوبيان
أن تكون في الصف الثاني، ولم ترضَ أن يكون دورها تكميليًا أو تجميليًا… فرضت حضورها بالكفاءة، وبالمتابعة الدقيقة، وبالموقف الواضح،وبالمحبة والتواضع…
فهي نموذجٌ لامرأةٍ دخلت المعترك السياسي لا لتكون رقمًا إضافيًا، بل لتُحدث فرقًا…
في زمن الانهيار الاقتصادي، حيث بات موظف الإدارة العامة يتقاضى ما يعادل “ثلاثمائة دولار” شهريًا بعد كل الاضرابات والنضالات، أي ما يوازي غرامين من الذهب، وقفت إلى جانب هؤلاء الذين لم تعد رواتبهم تكفي بدل كهرباء وهاتف ومياه…
تضامنت مع العمال في مطالبهم، وأيّدت العسكريين المتقاعدين في سعيهم إلى إنصافٍ طال انتظاره، ورفعت الصوت مع الأساتذة الذين أكل الغبن أعمارهم، ومع القضاة الذين يُراد لسلطتهم أن تُقزَّم.
لم تكن مواقفها موسمية أو إعلامية مع انها تتقن فنون الاعلام، بل كانت متابعة حثيثة واقتراحات قوانين ومساءلات وطعون دستورية…
وآخرها عندما أُقرت زيادات جديدة أثقلت كاهل الناس، كان موقفها واضحًا وشفافا ولم تلعب على الحبلين، فتقدّمت بطعن أمام المجلس الدستوري لإبطال المادة 55 اعتراضًا على الزيادات على البنزين والمحروقات وباقي الضرائب، إدراكًا منها أن أي زيادة في المحروقات تعني سلسلة ارتفاعات تطال الغذاء والدواء والنقل، وتضرب الفئات الأكثر هشاشة وما اوفرهم وهذا ما حصل…
هذا الموقف لم يكن شعبويًا، بل منسجمًا مع خطٍّ ثابت سلكته منذ البداية: حماية الطبقات المسحوقة التي تشكّل غالبية الشعب اللبناني.
فبعيدًا عن قبة البرلمان،وبدوافع اخلاقية، أسست وأدارت مبادرات إنسانية عبر مؤسسة “دفا”، محاولةً تأمين الغذاء والكساء لمن لفظهم النظام الاقتصادي إلى الهامش في زمنٍ بات فيه الفقر وجهًا كئيبا للبنان، لم تكتفِ بالخطابات والوعود ، بل سعت إلى الفعل المباشر.
وفي ملف مكبّ برج حمود، طرحت بدائل ورؤى بيئية تحفظ كرامة العاصمة وصحة أهلها، رافضة أن يبقى التلوث قدرًا محتومًا.
وفي ملف الكهرباء، قدمت مقاربات إصلاحية تقوم على الشفافية والمحاسبة ووقف الهدر فقامت القيامة عليها.
وفي ملف المياه، كما في غيره، كانت تدفع باتجاه حلولٍ عملية لا ترقيعية.
وفي ملف الودائع كانت الى جانب الناس الذين سرقت احلامهم وجنى اعمارهم…
وفي السياسة لا تساوم على حرية لبنان وسيادته واستقلاله…
ما يميز بولا يعقوبيان أنها اختارت أن تكون نائب تمثل الناس لا نائب تمثل السلطة فهي لا تنتمي إلى مدرسة “التسويات الصامتة” “ومرقلي تا مرقلك”، بل إلى مدرسة المواجهة حين يكون الحق واضحًا وقد دفعت ثمن مواقفها هجماتٍ سياسية وإعلامية قاسية، لكنها لم تغيّر خطابها ولم تُبدّل موقعها…
في مجلسٍ كثيرًا ما يُنتقد على ضعف إنتاجيته، تحاول أن تُعيد إلى التشريع معناه: أن يكون أداة إنصاف، لا وسيلة تحميل أعباء إضافية على الفقراء.
بولا يعقوبيان التي دخلت المجلس يوم كانت في عز شهرتها الاعلامية ليست كاملة ولا تدّعي الكمال، لكنها مثالٌ لسيدةٍ قررت أن تكون في قلب المعركة من أجل العدالة الاجتماعية،تركت كل شيء لتكون في خدمة الوطن والناس،سيدةٌ تمارس دورها النيابي بروحٍ رقابية وتشريعية واضحة، وتسعى إلى سنّ قوانين تحمي المواطن لا أن تُثقله
في زمن الانهيار، هنا يصبح الصوت الصادق مثل صوتها عملة نادرة…ففي زمن الخوف على المصالح والمكاسب، تصبح الجرأة موقفًا أخلاقيًا ووطنيا واجبا…
وبين الصوت العالي والجرأة الصادقة، تقف بولا يعقوبيان كنائب اختارت أن تكون مع الناس تمثلهم ولا تمثل عليهم ،تعمل لأجلهم لا لتأتي بأجَلٍهم وترفع الصوت عاليا حين تعبر عن وجعهم دون ان تساوم في تحصيل حقهم،وتتلقى عنهم السهام والطعنات…وربما لكل هذه الأسباب تحارب،لأنه لا شجرة بلا ثمر ترشق بحجر!







Total views : 7243331