بقلم نبيل حرب _ رئيس التحرير
في لحظةٍ تختلط فيها دموع الألم ببصيص الرجاء، جاءت رسالة الرئيس جوزاف عون إلى اللبنانيين، لا كبيانٍ سياسي عابر، بل كنصٍّ يلامس عمق الوجدان الوطني، ويعكس حجم التحوّل الذي يقف على عتبته لبنان اليوم.
ليست الكلمات التي قيلت مجرّد خطاب رسمي، بل هي محاولة لإعادة تعريف معنى الدولة، ومعنى القرار، ومعنى أن يكون للبنان صوته الحر بعد عقودٍ من التداخلات والتجاذبات. في كل سطرٍ من الرسالة، نلمس إصرارًا على نقل البلاد من زمن الاستنزاف إلى زمن المبادرة، ومن موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.
لقد قدّم الرئيس رؤية مختلفة للمفاوضات، لا بوصفها انكسارًا أو تراجعًا، بل باعتبارها فعل قوة نابعًا من الإيمان بالحق. وهنا تكمن المفارقة التي تحتاجها المرحلة: أن تتحوّل الدبلوماسية من علامة ضعف في الثقافة السياسية المحلية، إلى أداة سيادية لحماية الدم اللبناني وصون الكرامة الوطنية.
الرسالة لم تُغفل التضحيات. بل على العكس، رفعتها إلى مرتبة الشهادة الجماعية التي “أيقظت ضمير العالم”. وهذا التعبير ليس تفصيلاً بلاغيًا، بل محاولة لتثبيت سردية وطنية تقول إن صمود الناس لم يعد مجرد معاناة، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في تغيير المعادلات.
وفي سياق الشكر، أتى ذكر الأصدقاء والحلفاء، من دونالد ترامب إلى المملكة العربية السعودية، كإشارة إلى أن لبنان لا يعيش في عزلة، بل في شبكة علاقات يمكن، إن أُحسن استخدامها، أن تتحول إلى رافعة لا إلى عبء.
لكن الأهم في الرسالة لم يكن في توصيف الماضي، بل في رسم ملامح المرحلة المقبلة. الحديث عن “استعادة القرار” ليس شعارًا، بل إعلان نوايا يتطلب ترجمة عملية: دولة تمسك بزمام سيادتها، تفاوض باسم شعبها، وترفض أن تكون ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
وهنا تحديدًا تكمن حساسية المرحلة. فالكلمات الكبيرة تحتاج إلى أفعال توازيها. والرهان الحقيقي ليس فقط على وقف إطلاق النار، بل على القدرة في تثبيت سلامٍ دائم، يُعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن، ويؤسس لمرحلة يكون فيها اللبناني شريكًا في القرار لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
أما الرسالة الأشد وقعًا، فجاءت في العبارة الحاسمة: “لن أسمح بأن يموت لبناني بعد اليوم من أجل مصالح الآخرين”. هذه ليست جملة عاطفية، بل خط أحمر سياسي وأخلاقي، يرسم حدود المرحلة المقبلة، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم، في الداخل قبل الخارج.
لبنان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. بين أن تبقى هذه الرسالة نصًا مؤثرًا في أرشيف الخطابات، أو أن تتحول إلى نقطة تحوّل في تاريخ وطن أنهكته الحروب والرهانات الخاطئة، وحان الوقت لشعبه ان يرتاح ويعيش بسلام.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه اللبنانيون بصمت:
هل تكون هذه اللحظة بداية الخلاص… أم مجرد هدنة أخرى في مسلسل طويل من الأزمات؟
الإجابة لن تكون في الكلمات، بل في ما سيأتي بعدها عبر المفاوضات المباشرة بين لبنان واسرائيل في واشنطن وبرعاية اميركية…







Total views : 7243330