بقلم نبيل حرب
ما جرى لا يمكن تبريره تحت أي عنوان، لا حرية تعبير ولا رد فعل عابر. حين يُمسّ رمز ديني ووطني بهذا الشكل المهين، فنحن لا نكون أمام رأي، بل أمام انحدار في الخطاب، وانكسار في مفهوم الشراكة التي قام عليها لبنان.
ليس المطلوب أن نتفق مع البطريرك في كل مواقفه. النقد حق، بل واجب في الحياة العامة. لكن هناك فرق شاسع بين النقد المسؤول، وبين الإهانة التي تطال الكرامات والرموز. فالبطريرك، شئنا أم أبينا، ليس مجرد شخص، بل موقع يمثل شريحة أساسية من اللبنانيين الموارنة، ويحمل تاريخًا ووجدانًا وذاكرة جماعية. وعندما يُهان، يشعر كثيرون أن كرامتهم أُهينت معه.
الأخطر من ذلك، أن هذا الفعل لا يصيب فردًا أو طائفة فحسب، بل يضرب فكرة العيش المشترك في صميمها. كيف يمكن أن نبني وطنًا، إذا كنا نسمح لأنفسنا بأن ندوس على مقدسات بعضنا البعض؟ كيف نطالب بالوحدة، فيما نزرع الإهانة بدل الاحترام؟
الشعب المسيحي في لبنان، كما غيره من مكونات هذا الوطن، لم يكن يومًا غريبًا عن محيطه ولم يقصر في احتضان ابناء الطوائف الاخرى. فتح بيوته قبل قلبه في أحلك الظروف، واستقبل النازحين كإخوة، لا كغرباء. وهذه الصفحات المضيئة لا تُمحى بتصرفات فردية، بل يجب أن تُصان وتُحترم. فالشكر لا يكون بالإهانة، والوفاء لا يُقابل بالجحود.
لبنان لا يقوم على الغلبة، بل على التوازن. لا يُحكم بالإلغاء، بل بالشراكة. وكل خطاب يُغذي الكراهية، أو يُبرر الإهانة، إنما يضعف هذا الكيان الهش أصلًا، ويدفعه نحو مزيد من التفكك والتشرذم والانحدار.
نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة الاعتبار للأخلاق في السياسة، وللاحترام في الاختلاف. فالوطن لا يُبنى بالصراخ، ولا بالإهانات، بل بالكلمة المسؤولة، وبالاعتراف المتبادل، وبالإيمان أن كرامة الآخر هي من كرامتنا…وفي هذا المجال على الدولة ملاحقة مثيري النعرات الطائفية ومحاسبتهم كما تنص القوانين اللبنانية،وعدم التهاون والتراخي في هذا المجال وإلا سنجد أنفسنا أمام سؤال خطير: هل ما زلنا نريد العيش معًا… أم أننا نسير، بصمت، نحو القطيعة؟
عدد الزوار الاجمالي







Total views : 7243336
