في لبنان، لم يعد العام الدراسي موعدًا لشراء الدفاتر والحقائب فقط، بل صار موسمًا للرعب الحقيقي.
رعب الآباء الذين يقفون أمام أبواب المدارس والجامعات كمن يقف على أبواب المصارف: عاجزين، مكسورين، يحملون أوراقهم ودموعهم، ويسألون السؤال نفسه:
كيف نعلّم أبناءنا؟
في بلدٍ تجاوز فيه الحد الأدنى للأجور عتبة الفقر المدقع، حيث لا يتجاوز راتب كثير من الموظفين 300 دولار شهريًا، تبدو الأقساط المدرسية كأنها قرارات صادرة من كوكب آخر. فمدارس خاصة رفعت أقساطها بنسب وصلت إلى 50 و60 بالمئة، وبعضها تجاوزت أقساطه آلاف الدولارات، وسط اعتراضات واسعة من الأهالي وتحركات قضائية لتجميد هذه الزيادات.
لكنّ المأساة هنا لا تُقاس بالأرقام فقط… بل بما خسرته العائلات لتبقي أبناءها على مقاعد الدراسة.
أب باع قطعة أرض ورثها عن والده.
أم باعت مصاغها الذهبي.
موظف صرف من عمله ولم يخبر أولاده كي لا يتركوا المدرسة.
وعائلات غرقت في الديون، فقط كي لا يشعر أطفالها بالذل أمام زملائهم.
في لبنان اليوم، التعليم لم يعد حقًا… بل امتيازًا للأغنياء.
والمفارقة الأكثر وجعًا، أنّ عددًا كبيرًا من المدارس والجامعات الخاصة أُنشئ أصلًا على أراضٍ وأوقاف خُصصت لخدمة الفقراء وتعليم أبناء الناس البسطاء. لكن تلك المؤسسات التي وُلدت برسالة إنسانية وروحية، تحولت عند البعض إلى مؤسسات تجارية مغلقة الأبواب أمام الفقراء أنفسهم.
كيف يمكن لعاملٍ أو موظفٍ أو متقاعد أن يدفع قسطًا يفوق راتبه السنوي؟
وكيف يُطلب من الناس تحمّل المزيد، فيما المؤسسات تُقفل، والموظفون يُصرفون، والأسواق راكدة، والحرب في الجنوب لم تتوقف، وأكثر من مليون ونصف مليون نازح يضغطون على بلدٍ منهك أصلًا؟
إنها ليست أزمة تعليم فقط… إنها أزمة وطن ينهار من الداخل.
الأخطر من ذلك، أنّ كثيرًا من الأهالي باتوا يعيشون إحساسًا مريرًا بالطبقية القاتلة.
فالطفل الذي لا يستطيع دفع القسط، يُدفع تدريجيًا نحو الهامش، وكأنّ الفقر جريمة.
وهكذا يتحول التعليم، الذي كان يومًا بابًا للعدالة الاجتماعية، إلى أداة فرز بين أبناء الوطن الواحد.
تقارير إعلامية عدة تحدثت عن غضب واسع بين الأهالي بسبب “الزيادات غير المبررة” على الأقساط، وعن دعاوى قضائية وتحركات للجان الأهل رفضًا لما وصفوه بالأعباء الخانقة وغير الواقعية مقارنة بدخل الأسرة اللبنانية.
لكن السؤال الذي يصرخ في وجه الجميع يبقى:
أي وطن هذا الذي يعجز فيه الأب عن تعليم ابنه؟
وأي دولة تلك التي يصبح فيها القسط المدرسي أقسى من إيجار البيت؟
وأي مستقبل ننتظره، إذا كان الفقير يُمنع من دخول “جنة التعليم” فقط لأنه فقير؟
لبنان الذي كان يُعرف برسالته الثقافية والتربوية، صار اليوم بلدًا يخشى فيه الأهل حلول شهر أيلول أكثر مما يخشون المرض والجوع.
فالمدرسة لم تعد مكانًا للعلم فقط…
بل تحولت عند كثيرين إلى فاتورة مستحيلة الدفع.
نبيل حرب

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3554401
Total views : 7243337