بقلم نبيل حرب
في لبنان اليوم، لم تعد مأساة الكلاب الشاردة مجرد قضية حيوانات تُركت على الطرقات، بل تحوّلت إلى صورة موجعة تعكس الانهيار الاجتماعي والاقتصادي الذي يرزح تحته معظم اللبنانيين. فكل زاوية شارع تقريبًا باتت تضم كلابًا هزيلة، جائعة، مرمية بلا مأوى، بلا طعام، بلا دواء، وبلا أدنى اهتمام… وكأنها ضحية جديدة من ضحايا هذا الوطن المتعب.
قد يلوم البعض الناس الذين تخلّوا عن حيواناتهم الأليفة، وقد يكون اللوم محقًا في كثير من الأحيان، لكن الحقيقة الأقسى أن الفقر بات أقوى من العاطفة، والضائقة الاقتصادية كسرت قدرة الناس على الاحتمال. فإذا كانت آلاف العائلات اللبنانية عاجزة عن تأمين الخبز والدواء والكهرباء لأطفالها، فكيف لها أن تؤمّن الطعام والعناية الطبية لحيواناتها الأليفة؟ هنا تكمن المأساة الحقيقية، لا في قسوة البشر فقط، بل في قسوة الظروف التي دفعت كثيرين إلى خيارات لم يكونوا يتخيّلون يومًا أنهم سيصلون إليها.
وما يزيد المشهد وجعًا، أن بعض جمعيات الرفق بالحيوان، التي كانت تحاول قدر الإمكان احتواء الأزمة، أصبحت هي الأخرى في حالة عجز شبه كامل. فالأعداد الهائلة للكلاب الشاردة تفوق الإمكانات، والتبرعات تراجعت بشكل كبير، فيما تكاليف العلاج والطعام والرعاية ارتفعت بشكل جنوني. حتى من يريد أن يساعد، بات يحتاج إلى من يساعده.
إنها حلقة قاسية من الانهيار: شعب جائع، ومؤسسات متعبة، وحيوانات تُدفع ثمن أزمة لم تكن يومًا مسؤولة عنها. الكلاب التي نراها اليوم تتسكع على الطرقات، تنبش أكياس النفايات أو تبحث عن ظلّ يحميها من الحرّ والبرد، ليست مجرد “حيوانات شاردة”، بل شاهد حيّ على حجم الانهيار الذي أصاب الإنسان اللبناني نفسه.
ومع ذلك، تبقى الإنسانية مطلوبة، حتى في أصعب الظروف. فالقليل من الرحمة قد يصنع فرقًا، وكلمة طيبة أو لقمة أو وعاء ماء أمام المنزل، قد تعني الحياة لمخلوق ضعيف لا ذنب له سوى أنه يعيش في وطن يئنّ تحت ثقل الأزمات.
إنها ليست فقط قصة كلاب شاردة… إنها قصة وطن بأكمله، حين يصبح العجز أكبر من القدرة على الاحتفاظ حتى بالكائنات التي أحبّها الناس يومًا بصدق ووفاء…







Total views : 7243312