بقلم : نبيل حرب
اسمها حنان…لا تحب التصوير، ولا الوقوف أمام الكاميرات، ولا الحديث عما تفعله، وكأن الخير بالنسبة لها ليس قصة تُروى، بل واجب يُمارس بصمت…
سمعت عنها كثيرًا قبل أن أتعرف إليها. تعيش في ساحل المتن الشمالي، ولا تحب حتى أن تُذكر تفاصيل أخرى عنها، مع أنني تعبت لأعرف العنوان… لكنها من أولئك الذين يعتقدون أن العطاء كلما اختبأ، صار أكثر صدقًا…
كل صباح، وقبل أن يستيقظ كثيرون من نومهم، تبدأ رحلتها عند السادسة فجراً.
تخرج إلى المناطق القريبة من بلدتها الجميلة، إلى الأماكن التي تعرف أن الكلاب الشاردة باتت تنتظرها فيها. تحمل معها ما تيسر من الطعام، لكنه ليس أي طعام… بل أفضل ما تستطيع تأمينه. تذهب إلى الحقول حيث تتجمع الكلاب كل صباح وتنتظرها، فتطعمها، وتروي عطشها، ثم تجلس بينها لساعات، وكأنها واحدة منها، أو كأنها تحاول أن تعوض عليها شيئًا من قسوة هذا العالم.
وحين تصطدم سيارة بكلب، أو تمرض قطة، أو تنزف جراح حيوان متروك على قارعة الطريق، تصبح هي سيارة الإسعاف والطبيب والمأوى والرحمة معًا.
تأخذهم إلى الأطباء البيطريين، تعالجهم على نفقتها الخاصة،تجري لهم العمليات ، وتدفع من مالها الخاص ثمن الدواء والعلاج والرعاية…وتحاول قدر الامكان تأمين منازل بديلة لهم…
وبدل أن تصرف المال على نفسها، وعلى ملذاتها ومتطلباتها الشخصية، اختارت أن تصرفه على هذه المخلوقات الضعيفة… تلك التي كانت يومًا رمزًا للوفاء.
لكن الوفاء، للأسف، لم يُبادل بالوفاء…
فالضائقة الاقتصادية التي تضرب الناس بقسوة، جعلت كثيرين يقفون أمام خيارات موجعة، فاختاروا إطعام أولادهم، وتركوا خلفهم كلابًا كانوا يربونها، وقططًا كانت تنام في منازلهم، فتحولت فجأة إلى كائنات شاردة تبحث عن الطعام بين النفايات.
في منزلها… أو ربما من الأدق أن نقول: في فندقها بل في عالمها الصغير… حيث تساعدها مدبرة منزل أجنبية على ترتيب حياة أكثر من ستين قطة، وأكثر من عشرة كلاب، يعيشون معها داخل شقة فخمة كان بإمكانها أن تؤجرها، وأن تجني منها أموالاً وفيرة.
لكنها اختارت شيئًا آخر.
اختارت أن تتحول الشقة إلى ملجأ.
وأن تتحول الغرف إلى بيوت صغيرة.
وأن تتحول حياتها كلها إلى رسالة رحمة…
الدكاترة وأصحاب العيادات البيطرية في المنطقة يعرفونها جيدًا. كثيرون منهم يحاولون مساعدتها بقدر استطاعتهم، لأنها لا تعمل ضمن جمعية، ولم تؤسس مؤسسة، ولا تجمع تبرعات، ولا تطرق أبواب المانحين.
هي فقط… امرأة واحدة.
امرأة قررت أن تحمل وحدها ما تركه الآخرون.
تفعل كل ذلك بلا بهرجة.
بلا منّة.
بلا تصوير.
بلا ضجيج.
وفي زمن صار كثيرون يصورون فيه لقمة الخبز قبل أن يقدموها لإنسان محتاج… اختارت حنان أن تطعم وتهتم بالحيوانات المتروكة بصمت.
وربما لهذا السبب بالذات… تستحق أن تُروى حكايتها.
فحين يصبح بعض الناس قساة إلى هذا الحد… نكتشف أحيانًا أن أكثر الناس إنسانية، هم أولئك الذين اختاروا أن يحموا الكائنات الضعيفة التي لا تستطيع الكلام…ومن بينهم حنان التي اختارت الرحمة في زمن القسوة والظلم والقهر…

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3554390
Total views : 7243317