بقلم : نبيل حرب
في معظم دول العالم، عندما تشتري سيارة، تحصل معها على دليل استعمال… أما في بيروت، فالمفترض أن تحصل معها على طبيب أعصاب، ومعالج نفسي، ومحامٍ جنائي، ووصية جاهزة للتوقيع…
قيادة السيارة في شوارع بيروت لم تعد مجرد وسيلة انتقال، بل باتت اختباراً يومياً للقدرة على البقاء حيا… تدخل الشارع، فلا تعرف كيف تخرج منه. تفتح باب سيارتك، تقرأ الشهادة على روحك او تقدم الصلاة لربك ، وتبدأ الرحلة…
أهلاً بكم في العاصمة… حيث لم تعد السيارات تسير على الطرقات، بل تسبح وسط أسراب الموتوسيكلات كما تسبح سفينة صغيرة وسط هجوم القراصنة من كل حدب وصوب…
تنظر في المرآة اليمنى، فتجد موتوسيكل.
تنظر في اليسرى، تجد ثلاثة.
تنظر أمامك، تجد خمسة…
تنظر خلفك، فتكتشف أن هناك عشرين آخرين كانوا مختبئين في بعدٍ جغرافي جديد لم يكتشفه العلماء بعد…
أما الإشارات الضوئية، فهي في بيروت قطعة ديكور جميلة… الأحمر؟ الأخضر؟ البرتقالي؟ كلها ألوان جميلة تزين الشوارع ليس أكثر،ولا تتقيد بها سوى السيارات.
تتوقف احتراماً للإشارة، فتبدأ السمفونية.
زمامير ،صراخ ، حركات يد ،
شتائم لا تعرف إن كانت عربية أم لغة اخترعت للتو…
ثم يبدأ العرض الكبير: موتوسيكلات تمر عن يمينك ويسارك وفوقك وتحاول أحياناً المرور من داخل السيارة نفسها او فوقها إن أمكن.
أنت تقود سيارتك؟ ممتاز.
لكن هذا لا يعني أن لك حق استخدام الطريق.
الطريق ملك للموتوسيكلات.
والسيارات مجرد ضيوف ثقيلة الظل…
أما إذا حصل اصطدام — لا سمح الله — فالقانون غير المكتوب واضح جداً:
السائق مذنب.
حتى لو كان متوقفاً.
حتى لو كان مطفئ المحرك.
حتى لو كانت السيارة مركونة في المنزل.
أنت مذنب.أصلح الموتوسيكل.ادفع.واعتذر أيضاً من صاحبه.
اللافت أن كثيراً من هذه الموتوسيكلات تسير بلا لوحات، بلا أرقام، بلا أوراق، بلا خوذات، بلا ثياب واقية، وأحياناً بلا أي شيء يوحي أن هناك قوانين مع ان الدولة تفعل ما بوسعها لضبط المخالفات وتحرير محاضر الضبط وتطبيق القوانين لكن مع هذا العدد الهائل من الموبيلات مع قلة اخلاق البعض يستحيل ضبط جميع المخالفات…
والمشهد الأجمل؟
أنك لا تعرف من الذي يمر بجانبك…
هل هو عامل توصيل؟أم موظف؟أم طالب جامعة؟أم لص؟أم شخص قرر فجأة أن يجعل من الرصيف أو الاتجاه المعاكس طريقاً مختصراً؟
كل شيء ممكن.كل الاحتمالات واردة.
بيروت لا تؤمن بالمستحيل.
في ساعات الذروة، لا تعود الشوارع شوارع.
تصبح خلية نحل مصابة باضطراب عصبي جماعي.
مئات الموتوسيكلات تقفز بين السيارات.
تعطل السير.تعطل الإشارات.تعطل المنطق.
وأنت تحاول فقط أن تصل إلى وجهتك قبل أن تصل سيارة الإسعاف…
ثم يسألون:
لماذا يكره الناس النزول إلى بيروت وانا اولهم؟
لماذا يركن السياح سياراتهم ويذهبون بالتاكسي؟
لماذا يخاف القادمون من الخارج من القيادة هنا؟
الجواب بسيط:
لأن القيادة في أماكن كثيرة من العالم تعني التنقل والمتعة…
أما في بيروت…فهي قصاص…
فهي مغامرة بقاء ، وحرب اعصاب ، وهلاك للسيارات…بعدما تحولت العاصمة الى غابة للموبيلات…






Total views : 7243309