بقلم نبيل حرب _ رئيس التحرير

ليس كل سفيرٍ ينجح في أن يكون قريبًا من الناس.
وليس كل دبلوماسي يستطيع أن يدخل إلى قلوب الناس قبل أن يدخل إلى صالونات السياسة والدبلوماسية…
لكن السفير الأسترالي في لبنان، توم ويلسون، يفعل ذلك ببساطة لافتة، وكأنه لا يأتي إلى لبنان بصفته سفيرًا فحسب، بل يأتي إليه كصديق، وكواحدٍ من أهله وناسه.
منذ أن بدأ مهمته في لبنان، شعرنا أن هذا الرجل مختلف.
يتحدث العربية بطلاقة، ويتحدث بها ببساطة ودفء، من دون تكلف، ومن دون تلك المسافة التي يضعها بعض الدبلوماسيين بينهم وبين الناس.
لا عجرفة.
لا غطرسة.
لا استعراض.
بل تواضع حقيقي، وابتسامة حاضرة، وأذن تصغي، وقلب يبدو مفتوحًا لكل من يقترب منه.
والأجمل أنه لا يكتفي بأن يسمع عن لبنان من خلف مكاتب السفارة، بل يذهب إليه.
يزور مناطقه، ويتنقل بين مدنه وقراه، يقترب من معالمه الأثرية والسياحية، يلتقي أهله، ويجلس بينهم، ويتذوق طعامهم، وكأنه يريد أن يعرف لبنان كما يعرفه اللبنانيون أنفسهم.
لا مواكب تستعرض القوة.
لا حواجز بينه وبين الناس.
ولا حراسة تمنع الناس من الاقتراب منه.
يمشي بينهم بتواضع الكبار، ويتصور معهم، ويتحدث مع هذا وذاك، ويسأل ويجيب، وكأن بينه وبين اللبنانيين معرفة قديمة.
وهنا تكمن قيمة الدبلوماسية الحقيقية.
فالدبلوماسي لا يكون سفيرًا ناجحًا فقط عندما يجيد الحديث في السياسة، بل عندما يستطيع أن يجعل الناس يشعرون بأن البلد الذي يمثلّه قريب منهم، وأن شعب ذلك البلد ليس بعيدًا عن قلوبهم.
وهذا ما يفعله توم ويلسون.
وقد عرفتُ ذلك عن قرب.
في احتفال إصدار وتوقيع كتابي «قضايا الناس» في أنطش جبيل، كان السفير توم ويلسون بيننا.
لم يأتِ ليؤدي واجبًا بروتوكوليًا سريعًا ثم يغادر.
جاء ليكون واحدًا من الحاضرين.
دخل بكل تواضع بعدما تحمل مشقة عجقة السير من بيروت الى جبيل، جلس بين الناس، وتحدث معهم، وتصور مع هذا وذاك، ولم يكن يقول «لا» لأحد.
وحين اقترب موعد قطع قالب الحلوى، مع كبار المدعوين خارج القاعة، كان هو أيضًا هناك، وسط الناس، يشاركهم فرحتهم، ويبتسم لهذا، ويتحدث مع ذاك، وكأن المناسبة مناسبة بيت لبناني وليست احتفالًا رسميًا.بل ظل واقفا بناء على طلب الحضور وأخذ الصور التذكارية معهم واستمع لهذا وذاك مع ابتسامة لا تفارق شفتيه…
في تلك اللحظة تحديدًا، لم أرَ سفيرًا.
رأيت إنسانًا.
ورأيت في هذا الإنسان صورةً عن وطنٍ أعرفه وأحبه.
أستراليا…كم احبها واحب شعبها والجالية اللبنانية هناك،لذا افردت لهم فصلا في كتابي.
وأستراليا بالنسبة إليّ ليست مجرد دولة بعيدة في آخر الدنيا.
لها في قلبي حكاية.
ذهبت إليها عام 1996، ثم عدت إليها عام 2001، وكدت أن أبقى فيها.
لكنني عدت إلى لبنان، وبقيت أستراليا في داخلي.
بقيت تلك الدولة التي أحببتها من بعيد، وظلت بيني وبينها حكاية عشق لا تنتهي.
عشق بلدٍ تشعر فيه أن الحرية ليست شعارًا يُرفع، بل هواءً تتنفسه.
بلدٍ يحترم الإنسان لأنه إنسان.
بلدٍ لا تسأل فيه عن دينك أو طائفتك أو أصلك قبل أن تنظر إلى قيمتك كإنسان.
بلدٍ يفتح أبوابه أمام الطموح، ويمنح الشباب فرصة أن يتعلموا، وأن يعملوا، وأن يحلموا، وأن يبنوا مستقبلهم بأيديهم.
بلدٍ يحترم القانون، ويؤمن بالعدالة، ويعطي الإنسان فرصة لكي يصنع من نفسه شيئًا.
وفي أستراليا، رأيت أيضًا أبناء الجالية اللبنانية يلمعون كالكواكب في سماء ذلك الوطن.
رأيت اللبناني الذي وصل مهاجرًا، فإذا به طبيب، ومهندس، وأستاذ جامعي،واعلامي، ورجل أعمال، وفنان، وسياسي، وصاحب مهنة، وناجح في مختلف الميادين حتى السياسية منها.
لأن أستراليا تعرف كيف تفتح الأبواب أمام الكفاءة.
تعرف كيف تعطي الفرصة لمن يستحقها.
وتعرف أن قوة الوطن لا تكون بإقصاء الآخر، بل بفتح المجال أمام الجميع ليشاركوا في بنائه.
ومن هنا، كلما رأيت السفير توم ويلسون بين اللبنانيين، شعرت أنني أرى شيئًا من أستراليا التي عرفتها وأحببتها.
إنه في حضوره، وفي بساطته، وفي تواضعه، وفي انفتاحه على الناس، صورة جميلة عن بلده.
وكأن أستراليا لم ترسل إلى لبنان سفيرًا فقط، بل أرسلت معه شيئًا من روحها.
روح الانفتاح.
وروح التسامح.
وروح احترام الإنسان.
وروح الحرية.
وروح التواضع.
ولعل أجمل ما في تجربة توم ويلسون أنه لا يتعامل مع لبنان كبلدٍ يجب أن يبقى فيه محصنا خلف زجاج السيارات الرسمية.
إنه ينزل إلى الشارع.
يرى الناس.
يسمعهم.
يأكل طعامهم.
يزور بلداتهم.
يتعرف إلى تاريخهم وثقافتهم.
ويشاركهم مناسباتهم.
وهذه في رأيي، هي الدبلوماسية الإنسانية في أجمل صورها.
فالسفير يستطيع أن يكون بعيدًا ومحترمًا.
لكن الأجمل أن يكون قريبًا ومحترمًا في الوقت نفسه.
والسفير يستطيع أن يمثل دولته في الاجتماعات الرسمية فقط.
لكن الأجمل أن يمثلها أيضًا في قلوب الناس.
وهذا ما يفعله توم ويلسون.
وهو بالنسبة إليّ، قدوة في العمل الدبلوماسي؛ لأن الدبلوماسية في نهاية الأمر ليست فقط أوراقًا واتفاقيات ومواعيد ومباحثات، بل هي أيضًا ابتسامة، وكلمة طيبة، ومصافحة، وصورة مع إنسان بسيط، وحضور في مناسبة ثقافية، واحترام لمجتمعٍ وشعبٍ وذاكرة.
وأستراليا لها في لبنان ذاكرة خاصة لا يمكن أن ننساها.
فهذا البلد البعيد جغرافيًا، قريب تاريخيًا وإنسانيًا من لبنان.
هنا سقطت دماء جنود أستراليين، وهنا تركوا أسماءهم في صفحات التاريخ.
وفي كل عام، يستعيد اللبنانيون والأستراليون معًا ذكرى “أنزاك”، تلك الصفحة التي أصبحت جزءًا من الذاكرة المشتركة بين الشعبين.
ومن يعرف أستراليا، يعرف أن علاقتها بلبنان ليست علاقة سفارة بدولة مضيفة فقط.
هناك جسور من الهجرة، والاغتراب، والعائلات، والصداقات، والثقافة، والتاريخ، والدماء التي سالت على أرض لبنان.
ولذلك عندما أرى السفير توم ويلسون يمشي بين اللبنانيين بهذه البساطة، أشعر أن تلك الجسور لا تزال حيّة.
بل ربما هو واحد من الذين يعيدون بناءها وترسيخها كل يوم.
أقول هذا الكلام لا بصفتي صحافيًا فقط، ولا بصفتي من الذين تشرفوا بحضوره في احتفال كتابي «قضايا الناس»، بل بصفتي رجلًا عرف أستراليا، وعاش شيئًا من تجربتها، وأحبها، وعاد منها وبقي قلبه معلقًا بها.
ولذلك أستطيع أن أقول:
إن توم ويلسون لا يعرّف اللبنانيين إلى أستراليا بالكلام فقط… بل يعرّفهم إليها بسلوكه.
وهذا أجمل تعريف.
فحين يكون السفير متواضعًا، يرى الناس في تواضعه شيئًا من وطنه.
وحين يكون منفتحًا، يرون انفتاح وطنه.
وحين يحترم الإنسان، يشعر الإنسان باحترام الدولة التي يمثلها.
وحين يمشي بين الناس بلا حواجز، تسقط الحواجز بين شعبين.
لهذا أحببت أن أكتب عن توم ويلسون.
لا لأمدحه كسفير فحسب، بل لأقول له، باسمي وباسم كثيرين ممن عرفوه:
شكرًا لأنك جعلتنا نشعر أن أستراليا أقرب إلينا مما نظن وان بعدت المسافات.
شكرًا لأنك جئت إلى لبنان سفيرًا، واخترت أن تكون بين اللبنانيين إنسانًا.
وشكرًا لأنك أثبتّ أن أجمل الدبلوماسية ليست تلك التي تتحدث كثيرًا عن الصداقة…
بل تلك التي تجعل الناس يشعرون بها.
وإذا كانت أستراليا قد اختارت توم ويلسون سفيرًا لها في لبنان، فأنا أقول، من تجربتي الشخصية:
لقد أحسنت أستراليا الاختيار.
لأن بعض السفراء يمثلون دولهم في لبنان…
أما توم ويلسون، فأشعر أنه يحمل لبنان معه أيضًا، ويأخذ من لبنان إلى أستراليا شيئًا من محبته ودفئه وإنسانيته.
وهكذا تصبح الدبلوماسية جسرًا لا حاجزًا.
ويصبح السفير رسول محبة لا مجرد ممثل دولة.
وتصبح المسافة بين بيروت وكانبيرا أقصر بكثير…
لأن بينهما إنسانًا قدوة ، يعرف كيف يصل ويدخل إلى القلب دون استئذان .

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3564141
Total views : 7262308