بقلم نبيل حرب _ رئيس التحرير
فرحتُ كثيراً عندما سمعتُ خبر انتخاب الصديق الدكتور بشارة الأسمر رئيساً لمجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ولستُ أكتب هذه الكلمات من باب المجاملة او الصداقة بيننا، ولا لأن بشارة الأسمر رئيسٌ للاتحاد العمالي العام فحسب، بل لأنني أرى في وصوله إلى رئاسة مجلس إدارة الضمان بارقة أمل جديدة للعمال والمضمونين، وللفئات الشعبية التي أنهكتها السنوات وأثقلتها الأزمات.
إنّ انتخاب رئيس الاتحاد العمالي العام على رأس مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يحمل، في رمزيته، الكثير من المعاني.
فالرجل الذي أمضى سنوات إلى جانب العمال، وحمل قضاياهم ورفع صوتهم في وجه الظلم والغبن، يعرف جيداً ماذا يعني أن يعيش العامل براتب لا يكاد يكفيه حتى نهاية الشهر، وماذا يعني أن تكون أجرة العمل عاجزة عن تأمين أبسط مقومات الحياة.
يعرف ماذا يعني أن يقف أبٌ عاجزاً أمام قسط مدرسة، أو أن تعجز عائلة عن تأمين قسط جامعة لابنها، او ان يبيع الأهل منزلهم ليعلموا اولادهم ،أو أن يصبح الاستشفاء حلماً، والدواء عبئاً، ونهاية الخدمة التي انتظرها العامل عشرات السنين من العمل أقل بكثير مما يستحق.
ويعرف أكثر من كثيرين، أن العامل اللبناني لم يعد يطلب الرفاهية، بل يطلب العيش بكرامة.
من هنا فإن فرحتي بانتخاب بشارة الأسمر ليست فرحة شخصية، بل هي فرحة تحمل شيئاً من الأمل إلى كل عامل ومضمون ومتقاعد، وإلى كل إنسان أفنى عمره في العمل وهو ينتظر أن يأتي يوم يستطيع فيه أن يعيش بكرامة وأمان.
فالضمان الاجتماعي ليس مؤسسة عادية.إنه أمان الناس عندما تضيق بهم الحياة، وهو السند الذي يلجأ إليه العامل عندما يمرض، أو يتقاعد، أو تنتهي خدمته، أو يجد نفسه في مواجهة ظروف لم يعد قادراً على تحملها.
لكن سنوات طويلة من الأزمات تركت هذه المؤسسة أمام ملفات ضخمة وتحديات صعبة، فيما تراجعت قيمة التعويضات أمام الانهيار المالي والاقتصادي، وأصبح كثير من المضمونين يشعرون بأن سنوات عمرهم التي أمضوها في العمل لم تعد تضمن لهم المستقبل الذي كانوا يحلمون به.
ولهذا فإن المسؤولية الملقاة على عاتق مجلس الإدارة الجديد كبيرة جداً.
وأنا من موقع من أمضى حياته الصحافية قريباً من قضايا الناس، أتمنى من الله أن يأخذ بيد الدكتور بشارة الأسمر، وأن يوفقه في هذه المهمة، وأن يمنحه القوة والحكمة والصبر، لأن الطريق أمامه ليس سهلاً.
أتمنى أن يكون الضمان في عهده ضماناً فعلياً للناس، وأن تصبح حقوق المضمونين أولوية لا تتقدم عليها أولوية.
أتمنى أن يعمل من أجل إعادة الاعتبار إلى تعويضات نهاية الخدمة، وأن يحمي حقوق الذين دفعوا الاشتراكات طوال سنوات عمرهم، وأن يسعى إلى معالجة الملفات المتراكمة التي أثقلت كاهل الصندوق والمضمونين معاً.
وأتمنى قبل كل شيء أن يبقى بشارة الأسمر كما عرفناه: متواضعا وقريباً من الناس، مستمعاً إلى وجعهم، ومدافعاً عن حقوقهم.
فالعمال لا يريدون خطباً كثيرة، ولا وعوداً جميلة.
يريدون أن يشعروا أن هناك من يسمعهم.
يريدون أجراً يكفي عائلاتهم، وضماناً يحميهم، وتعويضاً يحفظ كرامتهم، وطبابة لا تحوّل المرض إلى مأساة، ومستقبلاً لا يجعل الأب عاجزاً أمام أبنائه.
لقد عانى اللبنانيون كثيراً.
وعانى العمال أكثر.
فالراتب الذي كان يكفي العائلة بالأمس لم يعد اليوم يسد رمق جائع، ولا يؤمّن قسط مدرسة، ولا يدفع كلفة جامعة، ولا يواجه فاتورة استشفاء، ولا يضمن شيخوخة كريمة.
ومن هنا، فإنني أنظر إلى انتخاب د. بشارة الأسمر بعين الأمل.
وأقول له: هذه ليست رئاسة منصب، بل رئاسة أمانة.
أمانة مئات آلاف المضمونين، وأمانة العمال الذين وضعوا ثقتهم بالدولة وبالضمان، وأمانة كل رجل وامرأة أمضيا سنوات العمر في العمل، وهما ينتظران يوماً يشعران فيه أن تعب السنين لم يذهب سدى.
وأعرف أن المهمة شاقة، وأن الملفات كثيرة، وأن الإمكانات محدودة، وأن الأزمات التي يمر بها لبنان أكبر من قدرة شخص أو مجلس على حلها وحده.
لكنني أعرف أيضاً أن الإرادة الصادقة تستطيع أن تصنع فرقاً وأنا أثق بقدرتك على تخطي الصعاب…
ولأن بشارة الأسمر جاء من رحم الحركة العمالية، ولأنه يعرف وجع العامل ومعاناته، فإنني أتمنى أن يكون وجوده على رأس مجلس إدارة الضمان صوتاً للمضمونين داخل المؤسسة، كما كان صوتاً للعمال خارجها.
فليأخذ الله بيده.
وليكن هذا الانتخاب بداية مرحلة جديدة، يستعيد فيها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي دوره الحقيقي، وتستعيد معه الطبقات الشعبية شيئاً من الثقة والأمل.
وإذا كان الصحافي قد أمضى عمره يكتب عن قضايا الناس، فإن أجمل ما يمكن أن يراه اليوم هو أن يجد من يحمل هذه القضايا إلى مواقع القرار، لا بالكلام وحده، بل بالفعل والعمل والإنجاز.
من القلب، أقول للدكتور بشارة الأسمر:
مبروك لك هذه المسؤولية… ومبروك للضمان بك، والأهم: مبروك للعمال والمضمونين الذين ينتظرون منك الكثير.
فليكن عهدك في الضمان عهد إنصافٍ للمتعبين، وحمايةٍ للمضمونين، واستعادةٍ لحقوق العمال، وإعادةٍ للأمل إلى الذين أتعبتهم الحياة.
والله وليّ التوفيق.








Total views : 7262317