كلمة المؤلف الصحافي نبيل حرب
في الختام كانت كلمة المؤلف الاستاذ نبيل حرب وقال فيها سأروي
حكايتي مع «قضايا الناس» للمرة الأولى :
لكل إنسان حكاية… أما حكايتي مع «قضايا الناس»، فقد بدأت بحلم صغير، وتحولت إلى رحلة امتدت ما يقارب نصف قرن.
في عام 1978، نجحت في امتحانات البكالوريا الرسمية من الدورة الأولى، ووجدت نفسي أمام السؤال الذي يواجه معظم الشباب اللبناني حتى اليوم: أي طريق سأختار لمستقبلي؟
كانت الأسئلة كثيرة، لكن الجواب في داخلي كان واضحًا منذ البداية: أريد أن أكون صحافيًا.
ربما ساعدني على اتخاذ هذا القرار أنني كنت من المتفوقين في اللغة العربية… كان أستاذي يقرأ مواضيعي الإنشائية أمام التلامذة بعد تصحيحها، فكنت أشعر أن للكلمة سحرًا خاصًا، وأن للكتابة رسالة تتجاوز الحبر والورق. وكم من مرة قرأت كتابًا كاملًا في جلسة واحدة، لأنني كنت مؤمنًا بأن القراءة هي الطريق الأول إلى المعرفة.
وذات مساء، جلست مع والدي، رحمه الله، وأخبرته برغبتي في دراسة الإعلام والصحافة. نظر إلي بحنان الأب وخوفه، وقال: «يا بني، الدنيا حرب، والصحافة مليئة بالمخاطر. انظر إلى الصحافيين… كيف يواجهون الموت كل يوم. فكر باختصاص آخر.»
لكن حلمي كان أكبر من الخوف، خصوصًا أنني كنت من أوائل أبناء بلدتي تنورين الذين اختاروا دراسة الصحافة.
وبعد نقاش طويل، قال لي: «لدي صديق سنستشيره. إذا نصحك بأن تصبح صحافيًا فلن أجادلك، أما إذا نصحك بعكس ذلك، فعليك أن تعيد النظر في اختيارك.»
وافقت من دون أن أعرف من يكون هذا الصديق.
وفي مساء أحد أيام السبت، دعاني والدي لمرافقته إلى فندق الشانغريلا في اللقلوق. وخلال الطريق، ظل سؤال واحد يراودني: من هو هذا الرجل الذي سنقصده، ويحظى بكل هذا الاحترام في نظر والدي؟
وبعد دقائق، رأيت رجلًا مهيبًا يتقدم نحونا… كان شعره الأبيض يضفي عليه وقارًا خاصًا، وكانت الابتسامة لا تفارق وجهه.
رحب بنا، ثم التفت إلى والدي قائلًا: «إن شاء الله خير يا طانيوس… ماذا تريد؟»
فأجابه والدي: «أتيتك بأغلى ما لدي… أريد أن نستأنس برأيك في مستقبل ابني.»
جلسنا، ثم التفت الرجل إلي وسألني: «ماذا تريد أن تدرس؟»
أجبته من دون تردد: «أريد أن أكون صحافيًا.»
ابتسم وسألني: «ولماذا اخترت الصحافة؟»
قلت: «لأنني أحب اللغة العربية، وأريد أن أكون جنديًا في السلطة الرابعة. أريد أن أدافع عن المظلومين والمقهورين، وأن أكتب ما يشعر به الناس، وما لا يجرؤون أحيانًا على قوله… بل حتى على التفكير فيه.»
ابتسم، وربت على كتفي بهدوء، ثم التفت إلى والدي وقال الجملة التي غيرت مجرى حياتي:
«دعه يفعل ما يريد.»
لم أكن أعلم يومها أن هذه الكلمات القليلة سترسم مستقبلي، وأنها سترافقني طوال حياتي.
ذلك الرجل كان الرئيس كميل نمر شمعون.
ومن هناك… بدأت الرحلة.
التحقت بكلية الإعلام والتوثيق في الفنار، ونجحت في امتحان الدخول بتفوق. لكن الجامعة لم تكن سوى البداية.
ففي الأيام الأولى من الدراسة، سمعت أن جريدة الأنوار تبحث عن مراسل حربي. قصدت الجريدة، والتقيت مدير التحرير، وبعد حوار قصير قال لي:
«مبروك… تبدأ العمل من الغد.»
وهكذا بدأت رحلتي مع الصحافة في خريف عام 1978، وربما كنت من أصغر الصحافيين عمرًا، ولم أكن قد أكملت الثامنة عشرة من عمري.
بدأت عملي مراسلًا حربيًا، وكانت مهمتي تغطية الأحداث على خطوط التماس، حيث كان الخطر جزءًا من يومياتنا، والموت احتمالًا يرافقنا في كل لحظة.
كنا نركض نحو القذائف، فيما كان الآخرون يهربون منها. ندخل الملاجئ لنستمع إلى وجع الناس، ونعبر الطرقات تحت القصف لننقل الحقيقة كما هي، ونبحث عن المعلومة حيث يصعب الوصول إليها، لأننا كنا نؤمن أن الخبر ليس مجرد كلمات، بل أمانة، ومسؤولية، ورسالة.
في تلك الأيام، لم تكن هناك شاشات إخبارية على مدار الساعة، ولا وسائل تواصل اجتماعي، ولا هواتف عادية، ولا حتى ذكية، تنقل الحدث في لحظته.
كانت الصحيفة هي نافذة الناس الوحيدة إلى الحقيقة، وكان الصحافي عين المواطن وأذنه.
خلال سنوات الحرب، غطيت مؤتمرات وأحداثًا كبرى في لبنان والخارج، من مؤتمر التضامن مع لبنان، إلى الاتفاق الثلاثي، واتفاق السابع عشر من أيار، مرورًا بملفات الأسرى، والحروب الدولية، والمخيمات، والمعارك التي غيّرت وجه الوطن.
دخلت مع زملائي أماكن ظننا أننا لن نخرج منها أحياء، ونجونا مرات كثيرة بأعجوبة، فيما ودعنا زملاء وأصدقاء كانوا معنا بالأمس، فإذا بهم في اليوم التالي شهداء الكلمة والحقيقة.
وعشت مواقف لا يمكن أن تغيب عن الذاكرة. منها ذلك اليوم الذي كنت أجري فيه تحقيقًا صحافيًا مع خبير المتفجرات المعاون يوسف البيطار، بينما كان يعمل على تفكيك قنابل عنقودية في سوق الغرب. وفي لحظة خاطفة، انفجرت القنابل في يده، وكاد مستودع كامل للأسلحة أن ينفجر بنا. حملت يوسف إلى المستشفى، وأنا بين الذهول والأمل، وعدت مساء إلى جريدتي لأكتب في صدر الصفحة الأولى: «من أنقذ آلاف الناس… عجز أخيرًا عن إنقاذ نفسه».
كما عشت أيضًا واحدة من أصعب اللحظات، عندما تعرضت دار الصياد لقصف مباشر بالدبابات، وحوصرت وحدي مع مصور ومخرج، بينما كنا داخل المبنى القديم الذي لم يكن فيه ملجأ يحمينا، وكنا نحتمي بالورق. كانت القذائف تتساقط حولنا، والزجاج يتناثر، والموت يقترب في كل ثانية، لكن الإصرار كان أكبر من الخوف. وبين قذيفة وأخرى، خرجنا لنصور المبنى من الخارج، وعدنا لنكمل عملنا، لأن قرار الإدارة كان واضحًا: «يجب أن تصدر “الأنوار”… مهما كان الثمن». وبالفعل، صدرت الجريدة في موعدها، بعدما وضعت عنوانًا عريضًا على ثمانية أعمدة: «القذائف تنهمر على دار الصياد… والأنوار تصدر وكأن قذائف لم تكن».
كانت تلك الأيام مدرسة قاسية، لكنها علمتني أن الصحافة ليست وظيفة تنتهي بانتهاء الدوام، بل مسؤولية تبدأ عندما يهرب الآخرون من الخطر.
ومع مرور السنوات، تدرجت في المسؤوليات داخل جريدة الأنوار، من رئيس للقسم التربوي إلى رئيس قسم التحقيقات، وهناك كان لي شرف تدريب عشرات طلاب الإعلام، الذين أصبح كثير منهم اليوم دكاترة ومن أبرز الصحافيين والإعلاميين في لبنان.
لكن، وعلى الرغم من كل ما عشته في ساحات الحرب، فإن التحول الأكبر في حياتي المهنية لم يولد تحت القصف، بل ولد من مقال ساخر كتبته عن جاكيت جلدية معروضة في إحدى الواجهات، بهرني ثمنها، وقد بلغ أربعة آلاف وثمانمئة دولار.
ذلك المقال، على بساطته، لفت انتباه إدارة الجريدة. فاستدعاني رئيس التحرير، الأستاذ ميشال رعد، بحضور الأستاذ أنور نصار والأستاذ فؤاد دعبول، مديري التحرير، وقالوا لي: «نريدك أن تكتب زاوية يومية».
بدأنا نناقش الاسم، وتعددت الاقتراحات، إلى أن استقر الرأي على اسم سيصبح لاحقًا جزءًا من حياتي… «قضايا الناس».
يومها قلت لهم بكل بساطة: «سأجرب». لكنني لم أكن أعلم أن تلك المحاولة ستستمر سنوات طويلة، وأنها ستتحول إلى أكثر من ستة آلاف مقال. ستة آلاف قصة… ستة آلاف وجع… وستة آلاف حكاية إنسان، كان يبحث فقط عمن يسمع صوته.
منذ ذلك اليوم، لم تعد «قضايا الناس» مجرد زاوية صحافية أكتبها كل صباح، بل أصبحت جزءًا من حياتي، ورسالة حملتها بكل ما أوتيت من إيمان ومسؤولية.
كتبت عن كل إنسان ظلمته الحياة، وعن كل صاحب حق لم يجد من يسمع صوته. وكتبت أيضًا عن الظلم والفساد والاستغلال، وهاجمت كل من تسبب بالحرب والقتل والدمار، لأنني كنت أؤمن أن الصحافة، إذا فقدت شجاعتها، فقدت رسالتها.
لم تكن الطريق سهلة. أصبت بشظايا في أكثر من مرة، وأصيب منزلي وسيارتي، كما تعرضت للترهيب أحيانًا، وللترغيب أحيانًا أخرى، لكنني كنت أؤمن أن القلم الذي يخشى قول الحقيقة لا يستحق أن يحمل.
ولهذا بقيت الحقيقة بوصلتي، وبقي الإنسان قضيتي الأولى. لم أنتم يومًا إلى حزب، أو طائفة، أو مذهب، لأنني كنت أؤمن أن الصحافي الحقيقي يجب أن يكون منحازًا إلى الإنسان وحده، وإلى حقه في أن يسمع صوته، وأن ينال كرامته وعدالته.
وربما لهذا السبب، بقيت «قضايا الناس» قريبة من الناس، لأنها خرجت من وجعهم، وعاشت معهم، ونطقت بما كانوا يريدون قوله.
ومرت السنوات… وتغيرت الصحافة، وتغير العالم، وتبدلت وسائل الإعلام، واختفت صحف عريقة، وظهرت منصات جديدة، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير في داخلي… إيماني بأن الكلمة الصادقة لا تموت.
وحين توقفت جريدة الأنوار عن الصدور، شعرت أن صفحة كبيرة من حياتي قد طويت، لكن الرسالة لم تتوقف. وبقيت أكتب في أماكن أخرى، إلى أن أسست «الحاضر نيوز»، لأتابع الطريق نفسه، وأحمل الرسالة ذاتها، ولأبقى قريبًا من الناس، أكتب عن آمالهم، وأوجاعهم، وأحلامهم، كما فعلت طوال سنوات عملي.
واليوم، بعد ما يقارب نصف قرن من العمل الصحافي، أقف أمامكم وأنا أستعيد هذه الرحلة الطويلة، بكل ما فيها من تعب، وخوف، وفرح، ودموع، ونجاحات، وإخفاقات… وأدرك أن أجمل ما فيها لم يكن عدد المقالات التي كتبتها، ولا المناصب التي شغلتها، ولا التكريمات التي نلتها… بل ثقة الناس. هي الثروة الحقيقية التي أعتز بها.
أيها الأصدقاء…
إذا كان لي أن أختصر خمسين عامًا من الصحافة بكلمات قليلة، فسأقول: تعلمت أن الخبر قد ينسى، لكن الموقف لا ينسى. وأن المقال قد يطوى، لكن الكلمة الصادقة تبقى. وأن الصحافي لا يقاس بعدد ما يكتب، بل بعدد من استطاع أن يقف إلى جانبهم عندما احتاجوا إليه.
أشكركم جميعًا لأنكم تشاركونني هذه اللحظة التي انتظرتها طويلًا. وأرجو أن تجدوا بين صفحات هذا الكتاب شيئًا من ذاكرتكم، وشيئًا من أحلامكم، وشيئًا من وجع هذا الوطن الجميل الذي يستحق أن نحبه أكثر.
وأتمنى، عندما تطوون الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب، أن تشعروا أنكم لم تقرأوا سيرة صحافي فحسب، بل قرأتم حكاية وطن، وحكايات أناس بسطاء كانوا يستحقون دائمًا أن يسمع صوتهم.
فإن كنت قد نجحت في شيء خلال هذه الرحلة الطويلة، فأرجو أن أكون قد بقيت وفيًا للوعد الذي قطعته على نفسي منذ البداية… أن أكون… صوت الناس… وسوطهم.
شكرًا لكم من القلب.
شكرًا لقدس الأباتي سيمون عبود، الذي استضافنا في هذا المكان الرمزي العظيم، هذا الصرح الذي يحمل تاريخًا من المحبة والانفتاح.
شكرًا للدكتورة أودين سلوم، وللدكتورة كلوديا أبي نادر، وللدكتور سهيل مطر، وللدكتورة سلوى الخليل الأمين، وللدكتور عماد فغالي، الذين تحدثوا بحب وصدق عني وعن كتاب «قضايا الناس».
شكرًا لأصحاب المعالي والسعادة، وللنقباء، ولرؤساء البلديات والمخاتير، ولكل الشخصيات الدينية والثقافية والاجتماعية والاغترابية والإعلامية، ولكل من لبى الدعوة وشاركني هذه اللحظة الخاصة.
لكل شخص منكم، باسمه ومكانته، لكم مني باقة حب واحترام وتقدير.
واسمحوا لي أن أخص بالشكر الأب مجدي علاوي، الذي أجل عمليته الجراحية الطارئة من الأربعاء الماضي إلى يوم الاثنين، ليكون بيننا في هذه المناسبة.
ولا يمكنني أن أنسى قراء ومتابعي «قضايا الناس»، فهم في الحقيقة أحد أبطال هذا الكتاب. فلولا ثقتهم ومواكبتهم، لما بقي هذا الصوت مستمرًا على مدى سنين طويلة.
شكرًا لكل من منح قلمي ثقته، ولكل من رأى في «قضايا الناس» صدى صوته، ووجعه، وأمله.
ولن أنسى أن أشكر عائلتي التي رافقتني في هذه المسيرة، وكانت لي السند والدافع للاستمرار.
شكرًا لكل من رافقني في هذه الرحلة.
وشكرًا لكل إنسان كان قضية من قضايا الناس.
وإن كان لهذا الكتاب أن يبقى، فليس لأنه يحمل اسمي، بل لأنه يحمل وجوهكم، وقصصكم، وأحلامكم، وأوجاعكم.
لقد كنت، طوال ما يقارب نصف قرن، أكتب عن الناس… واليوم أهدي هذا الكتاب إلى الناس، لأنه ليس كتابي وحدي… إنه كتابكم أنتم.
شكرًا لكم من القلب.
وعند القاء كلمته قوطع بالتصفيق الحاد اكثر من مرة
ثم تسلم درعا تكريميا من كبير الصحافيين الاستاذ غسان عازار الذي تحدث بكلمة مقتضبة تفيض بالمحبة.
كما تسلم درعا آخر من نادي الشرق لحوار الحضارات تقديرا لمسيرته وقد تحدث رئيسه الدكتور ايلي السرغاني عن رفقة الجامعة والعمر وعلاقة المحبة والوفاء والاحترام التي تربطه مع المؤلف…
وقدم له ايضا الأب مجدي علاوي رئيس جمعية سعادة السماء درعا من خشب الارز مزين بأجمل الكلمات وانبلها.
اخيرا تم قص قالب الحلوى الذي حمل صورة الكتاب وكوكتيل وفي النهاية توقيع الكتاب.








Total views : 7262317