بقلم نبيل حرب
في يوم واحد فقط، أكثر من حادث سير، وأكثر من عائلة لبنانية تستيقظ على خبر لا يشبه أي خبر آخر.
شاب يفقد حياته عند مفرق دوما، بعدما انحرفت سيارته، وشاب آخر يلقى حتفه على طريق الكورة نتيجة انزلاق دراجته، وشابة أخرى تصدمها سيارة على الطريق… أخبار تتوالى، وكأن الموت على طرقاتنا أصبح خبراً يومياً اعتدنا سماعه، فيما خلف كل خبر عائلة مكلومة، وأماً تنتظر ابنها فلا يعود، وأباً فقد سنداً، وأصدقاء لن يسمعوا بعد اليوم صوتاً اعتادوا سماعه.
يا رب، ألا يكفينا ما عندنا من مصائب وأزمات وهموم، حتى تُضاف إليها مصائب الطرق التي تخطف خيرة شبابنا؟
كل يوم نقرأ عن عشرات حوادث السير في مختلف المناطق اللبنانية. سيارات تنحرف، دراجات تنزلق، شاحنات تنقلب، ومواطنون يسقطون ضحايا على طرق يفترض أن تكون وسيلة للوصول بأمان، فإذا بها تتحول إلى مصائد للموت.
وقد يقول قائل إن معظم حوادث السير سببها السرعة الزائدة، أو التلهي بالهاتف، أو عدم احترام قوانين السير. وهذا صحيح في كثير من الحالات، ولا يمكن تبرئة السائق الذي يستهتر بحياته وحياة الآخرين.
لكن، هل من العدل أن نحمّل السائق وحده مسؤولية كل حادث؟
الحقيقة أن أسباب حوادث السير في لبنان كثيرة، وبعضها لا علاقة له بالسائق أصلاً.
فلننظر إلى طرقاتنا.
طرقات متردية، حفر ومطبات تفوق الخيال، أجزاء من الطرق لا تصلح للسير، منعطفات خطرة من دون إنارة أو إشارات تحذيرية، وحواجز واقية غائبة في أماكن يكفي فيها خطأ صغير أو انزلاق بسيط لكي تجد السيارة نفسها في وادٍ أو على منحدر.
أين الإشارات التي تحدد السرعة؟
أين اللوحات التي تحذر السائق من منعطف خطير أو منحدر أو مدرسة؟
أين الإنارة؟
وأين الحواجز الواقية على جوانب الطرق، خصوصاً في المناطق الجبلية؟
كيف نطلب من السائق أن يكون حذراً، فيما الطريق نفسها قد تتحول إلى فخ، خصوصاً ليلاً أو في الطقس الماطر؟
إن وضع الطرق في لبنان لم يعد يُحتمل. فالحفرة التي قد تبدو صغيرة أمام أعين المسؤولين، قد تكون سبباً في انحراف سيارة، والمطب غير المعلن قد يفقد سائق دراجة توازنه، وغياب الحاجز الواقي قد يحوّل حادثاً بسيطاً إلى مأساة تنتهي بموت إنسان.
ثم هناك فوضى السير.
فوضى إلى أقصى الحدود.
قوانين السير موجودة، لكن احترامها في كثير من الأحيان غائب. تجاوز من اليمين، قطع للإشارات، سرعة جنونية، دراجات تسير بين السيارات، سيارات بلا شروط السلامة المطلوبة، ومخالفات تُرتكب أمام أعين الجميع، وكأن القانون مجرد وجهة نظر.
المشكلة ليست في وجود قانون فقط، بل في تطبيقه.
فالقانون الذي لا يُطبّق يفقد هيبته، والطريق التي لا تُراقب تتحول إلى ساحة مفتوحة للاستهتار.
نحن لا نحتاج إلى حملات موسمية بعد كل حادث كبير، ولا إلى بيانات حزينة بعد سقوط الضحايا. نحن بحاجة إلى خطة وطنية حقيقية للسلامة المرورية، تبدأ من إصلاح الطرق، وتأمين الإنارة، ووضع الإشارات والحواجز الواقية، ومعالجة النقاط السوداء التي تتكرر فيها الحوادث، وصولاً إلى تطبيق قانون السير على الجميع من دون استثناء.
فالسلامة المرورية ليست ترفاً.
إنها حق من حقوق المواطن.
والطريق ليست ملكاً لوزارة أو بلدية أو مؤسسة، بل هي حق عام، ومن واجب الدولة أن تجعلها آمنة قدر الإمكان.
كل شاب يموت على الطريق ليس مجرد رقم في إحصاء حوادث السير.
إنه حياة كانت يمكن أن تستمر، وأحلام كانت يمكن أن تتحقق، وعائلة كانت تنتظر مستقبلاً أفضل.
وفي بلد خسر الكثير من شبابه بسبب الأزمات والهجرة والفقر والانهيار، لا يجوز أن نخسر المزيد منهم على طرقات مهملة.
كفى موتاً على الطرق.
كفى استسهالاً لأرواح الناس.
وكفى اعتبار الحادث مجرد «قضاء وقدر» قبل أن نسأل: هل كان يمكن تفاديه لو كانت الطريق أفضل؟ لو كانت هناك إشارة؟ لو كان هناك حاجز؟ لو كانت هناك إنارة؟ لو طُبّق القانون؟
ربما لا نستطيع منع كل الحوادث، لكننا نستطيع أن نمنع الكثير منها.
وما نريده ليس معجزة.
نريد فقط طرقاً لا تقتل أبناءنا.
نريد أن يعود الشاب من عمله إلى بيته، وأن تعود الفتاة من جامعتها، وأن يعود الأب إلى عائلته، وأن تصبح الطريق وسيلة للحياة، لا طريقاً إلى الموت.
رحم الله كل من خطفهم الموت على طرق لبنان، وحمى الله من يسير عليها.








Total views : 7262310